من جيوب الفقراء إلى امتيازات النخبة.. كيف تفاقمت الأزمة الاجتماعية والحقوقية في إندونيسيا؟

من جيوب الفقراء إلى امتيازات النخبة.. كيف تفاقمت الأزمة الاجتماعية والحقوقية في إندونيسيا؟
احتجاجات إندونيسيا

تقاطعت شرارة اجتماعية مع مؤشرات اقتصادية وحقوقية لتدفع الشارع الإندونيسي إلى واحدة من أوسع موجات الاحتجاج المرتبطة بتكاليف المعيشة في السنوات الأخيرة، وقد ألغى الرئيس برابوو سوبيانتو زيارة مقررة إلى الصين مع اتساع رقعة التظاهر وأعمال العنف، بعدما فجّر كشف عن بدل سكن شهري بقيمة 50 مليون روبية لأعضاء البرلمان غضباً عاماً في ظل خسائر وظيفية وتآكل للقوة الشرائية.

 وأفضت التطورات إلى اشتباكات واعتقالات وحرائق في مبانٍ عامة، وسقط قتلى في بعض المدن، في حين اتُّهمت قوات الأمن بالاستخدام المفرط للقوة، واشتعل الجدل أكثر بعد نهب منزل وزيرة المالية ومنازل نواب على وقع موجة غضب ضد “امتيازات النخبة” في زمن الشح وفق "أسوشيتدبرس".

ورسمت بيانات رسمية صورة مزدوجة الدلالة فالتضخم العام بقي منخفضاً نسبياً عند نحو 2.37 في المئة على أساس سنوي في يوليو 2025، إلا أن هذا المتوسط يخفي ضغوطاً عليا في سلة الغذاء لدى الشرائح الأقل دخلاً، وهو ما تتنبّه له تقارير البنك الدولي التي توثّق بقاء تضخم الغذاء مرتفعاً في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل وتأثيره غير المتكافئ على الفقراء.

وأبقى بنك إندونيسيا سياسته النقدية مشدودة نسبياً لدعم استقرار العملة وسط ضعف في الطلب المحلي، وهذه العناصر مجتمعة تعني أن الفئات الهشة لا تشعر بانخفاض التضخم الكلي طالما أن كلفة الطعام والمواصلات والسكن تثقل ميزانياتها اليومية. 

عدم المساواة بالأرقام

تظهر بيانات هيئة الإحصاء في إندونيسيا أن معامل جيني لعدم المساواة في الإنفاق بلغ 0.375 في مارس 2025 مع تراجع طفيف عن فترات سابقة، وهي قيمة تعكس فجوة قائمة بين المدن والأرياف لأجل المدن.

وعلى الرغم من تراجع المعدلات السنوية للفقر في الأعوام الأخيرة، فإن عدد الفقراء ما يزال مرتفعاً، إذ سجّلت الهيئة في مارس 2025 نحو 23.85 مليون شخص تحت خط الفقر الوطني بنسبة 8.47 في المئة.

وتعني هذه الأرقام أن شريحة واسعة تبقى حساسة لأي صدمة في الأسعار أو الدخل أو الوظائف، وهي الخلفية التي تجعل امتيازات الطبقة السياسية مثار احتقان اجتماعي سريع الاشتعال.

امتيازات تشظّي الثقة العامة

في قلب الاحتجاجات جاءت قضية بدل السكن للنواب بقيمة 50 مليون روبية شهرياً منذ أكتوبر 2024 وحتى أكتوبر 2025، وتقول رئاسة البرلمان إن المبلغ ليس زيادة على الرواتب بل آلية لتجميع قيمة إيجار خمس سنوات تُصرف خلال عام واحد، على أن يتوقف الصرف الشهري بعدها.

ومع ذلك، أثار الرقم مقارنات شعبية مع الحد الأدنى للأجور في جاكرتا الذي يناهز خمسة ملايين روبية، أي إن البدل يساوي قرابة عشرة أضعافه، فضلاً على كونه أعلى كثيراً من دخول العمال في المقاطعات الأفقر، وتحت الضغط الشعبي، قالت قيادات برلمانية إنها ستراجع امتيازات عدة، وأكدت تقارير أن الصرف الشهري سيتوقف بعد أكتوبر، لكن الضرر السياسي وقع فعلاً، وتدهورت الثقة العامة مع اتساع صور الصدام في الشوارع. 

ولا تُقاس كلفة المعيشة بالأسعار فقط، بل أيضاً بقدرة الأسر على دخل ثابت، حيث أعلنت وزارة القوى العاملة في إندونيسيا أن أكثر من 42 ألف عامل خسروا وظائفهم في النصف الأول من 2025، وسط ضغوط في قطاعات التصنيع والنسيج والتقنية، ومع تباطؤ الاستهلاك الخاص وتردي قدرة الأسر على الإنفاق، تتعمّق دائرة عدم المساواة بين العاملين المستقرين والعاملين المؤقتين والعاطلين الجدد. 

حقوق الإنسان وواجبات الدولة 

في خضم الاحتجاجات، اتهمت منظمات حقوقية محلية ودولية قوات الأمن في إندونيسيا بالاستخدام المفرط للقوة، ودعت إلى تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، أشارت تقارير إلى نشر وحدات مكافحة الشغب بكثافة وإطلاق الغاز المسيل للدموع ووقائع دهس واعتقالات جماعية.

 منظمتا كونتراس وأمنستي إندونيسيا حذرتا مراراً خلال العامين الماضيين من نمط متكرر في تفريق التجمعات السلمية ولجوء مفرط للقوة، وطالبتا بآليات رقابة مستقلة وتدريب يحد من الانتهاكات. 

وتذكّر المعايير الدولية بأن الحق في التجمع السلمي مكفول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما تضع مبادئ الأمم المتحدة الأساسية لاستخدام القوة من جانب موظفي إنفاذ القانون حدوداً صارمة وتدرجية في اللجوء للقوة، وتمنع القوة المميتة إلا عند الضرورة القصوى لحماية الأرواح، كما يوضح التعليق العام رقم 37 للجنة حقوق الإنسان أن القيود على التجمع يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة، وبحسب المفوضية السامية لحقوق الإنسان هذه المرجعيات ليست نظرية، بل أدوات مساءلة ينبغي أن توجه سلوك الشرطة في الميدان. 

القانون والعمل اللائق

على صعيد المعايير العمالية، تشدد منظمة العمل الدولية على أهمية نظم أجور دنيا تضمن احتياجات العمال وأسرهم مع مراعاة العوامل الاقتصادية، ورغم أن إندونيسيا لم تصدق على اتفاقية تحديد الحد الأدنى للأجور رقم 131، فإن قوانينها الوطنية تعتمد آليات لتحديد الأجر الأدنى على مستوى الأقاليم، غير أن الفجوة بين حد أدنى للأجر في العاصمة وباقي المقاطعات، وتفاوت كلفة السكن والغذاء، تجعل الأجر الأدنى الحالي بعيداً عن تغطية سلة المعيشة في مدن كبرى كثيرة، وهو ما تعبّر عنه نقابات العمال بانتظام. 

وفي قراءتها للظرف الاقتصادي، تؤكد تقارير البنك الدولي أن الاقتصاد الإندونيسي ما يزال متيناً على المستوى الكلي مع تضخم منخفض ومجال لسياسات داعمة، لكنها تحذر في الوقت نفسه من تباطؤ الطلب وضعف نمو استهلاك الطبقة الوسطى وضرورة إجراء إصلاحات إيرادية لحماية الإنفاق الاجتماعي مع إبقاء العجز تحت السقف القانوني.

كما تُظهر تحديثات الغذاء العالمية استمرار ضغوط أسعار الغذاء في شريحة واسعة من الدول النامية، ما يفرض توسيع شبكات الأمان الاجتماعي وبرامج الدعم الموجه للأسر الأكثر هشاشة، هذه الرسائل المؤسسية تلاقت مع دعوات محلية لزيادة الشفافية في الإنفاق العام وتجميد الامتيازات غير الضرورية لحين انحسار الأزمة. 

السياسة والشرعية الاجتماعية

تتجاوز الأزمة سجال الأرقام إلى سؤال الشرعية الاجتماعية، فحين تتزامن امتيازات النخبة السياسية مع تسريح عمال وتآكل دخول ومحدودية الخدمات، تتآكل الثقة بسرعة ويُعاد استدعاء ذاكرة احتجاجات سابقة، وتستحضر الصحافة المقارنة مع أزمات سابقة شهدت مواجهات عنيفة، في حين تتوسع المخاوف من عسكرة الفضاء العام بعد انتشار وحدات من الجيش والبحرية في مدن عدة لدعم الشرطة في مهام حفظ النظام، وما قد يترتب على ذلك من أخطار تقييد الحقوق الأساسية. 

وتتفق توصيات المنظمات الحقوقية والأممية على حزمة مبادئ عملية لإدارة المرحلة أولها ضمان التحقيق الفوري والمستقل في أي انتهاكات لحقوق الإنسان وأي ادعاءات بالاستخدام غير المشروع للقوة ومحاسبة المسؤولين والانفتاح على رقابة المجتمع المدني، وثانيها ضمان الحق في التجمع والتعبير من دون ترهيب، والتواصل المباشر مع قادة المظاهرات لتقليل التوترات، وثالثها التزام الشفافية الكاملة في أي امتيازات أو بدلات عامة، وربطها بمعايير العدالة الاجتماعية، وتجميد ما ليس ضرورياً، ورابعها توسيع برامج الدعم النقدي والغذائي الموجه للأسر الفقيرة وتمويلها بإصلاحات ضريبية عادلة تضمن تصاعدية كبرى وتحد من التسرب والامتيازات. 

وشهدت إندونيسيا موجات احتجاج مرتبطة بالمعيشة والعمل منذ أزمة 1998 التي أطاحت بسوهارتو، مروراً باحتجاجات رفع أسعار الوقود في 2012 و2022، ثم احتجاجات قانون “العمل الشامل” في 2020، وتُظهر دراسات أن عدم المساواة ظل مرتفعاً في المدن مقارنة بالأرياف، وأن وتيرة خفض الفقر تباطأت مع اقتراب المعدلات من خانة الآحاد، في حين بقيت الفجوات الإقليمية في الدخول والخدمات قائمة. على هذه الخلفية التاريخية، تبدو موجة 2025 امتداداً لمسار طويل من المطالبات بعدالة توزيعية كبرى وشفافية عليا في إدارة المال العام، يتقاطع فيه الاجتماعي بالاقتصادي وبالحقوقي.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية