ذكاء اصطناعي مسموم.. كيف تُغرق الخوارزميات الفضاء الرقمي بموجات من التحيز ضد النساء؟

ذكاء اصطناعي مسموم.. كيف تُغرق الخوارزميات الفضاء الرقمي بموجات من التحيز ضد النساء؟
الذكاء الاصطناعي - أرشيف

على شاشات الهواتف، يظهر المشهد صادما في واقعيته.. نساء بملابس السباحة يُجرين مقابلات في الشارع، يتعرضن لتعليقات بذيئة ولمحاولات تحرش علني، بينما يضحك حشد من الرجال في الخلفية، لكن الحقيقة أن كل شيء مزيف؛ الوجوه، الأجساد، وحتى الشوارع.. إنها نتاج أدوات ذكاء اصطناعي منخفضة الجودة، مصممة لإغراق الإنترنت بمحتوى متحيز جنسيا يُطمس معه الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم.

تنتشر هذه المقاطع، خصوصا في الهند والمملكة المتحدة، عبر منصات مثل "إنستغرام" و"تيك توك"، لتجمع عشرات الملايين من المشاهدات، ولا يقف الأمر عند حدود "الفكاهة البذيئة"، بل يذهب أبعد من ذلك عبر تحويل النساء إلى سلعة افتراضية ضمن سوق رقمية متنامية، يحركها الإقبال الجماهيري والحوافز المالية التي تقدمها المنصات للمواد واسعة الانتشار.

ويؤكد تقرير لشركة الأمن السيبراني الأمريكية "غِت ريل سيكيوريتي" أن العديد من هذه الفيديوهات أُنشئت باستخدام مولد "Veo 3" من غوغل، المعروف بقدرته على إنتاج صور بالغة الواقعية، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف مهمة شبه مستحيلة للمشاهد العادي.

تحيز مضاعف وصورة مشوهة

من منظور علم النفس السيبراني، تمثل هذه الظاهرة نقلة خطيرة، وتقول الباحثة الهندية نيرالي بهاتيا إن "كراهية النساء، التي كانت محصورة سابقا في غرف الدردشة المغلقة، أصبحت اليوم مقنّعة في صور وفيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي". 

وترى أن الخطر لا يقتصر على الإساءة الفورية، بل يمتد إلى تكريس صور نمطية متحيزة ضد النساء، يُعاد تدويرها وتضخيمها على نطاق غير مسبوق.

هذا التحيز لا يبتكره الذكاء الاصطناعي من العدم؛ بل يعكس، كما تقول خبيرة التكنولوجيا ديفيندرا جادون، "ما هو موجود أصلا في المجتمع، لكنه يضخمه ويدفع به إلى الواجهة"، خاصة حين يكافئ الجمهور هذه المواد بملايين الإعجابات والمشاهدات.

المحتوى الرديء يغرق الأصالة

شبكات التواصل الاجتماعي تغرق اليوم بموجة من الصور والميمات والفيديوهات المصطنعة التي تزاحم المحتوى الأصلي على جذب الانتباه. 

وتحذر الباحثة إيمانويل صليبا من أن "المحتوى المُتواضع المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي يُقوّض ببطء الثقة الضئيلة المتبقية بالمحتوى المرئي".

ولا تقتصر هذه الموجة على الترفيه الجنسي أو السخرية، بل تمتد إلى إنتاج مقاطع مفبركة تثير الرأي العام، فقد انتشر مؤخرا فيديو مُصطنع يُظهر مدربة حيتان تُدعى جيسيكا رادكليف تُقتل على يد حوت قاتل في عرض مائي، وقد حصد المقطع ملايين المشاهدات وتسبب في موجة تعاطف عالمي، رغم أن المدربة لم تكن موجودة أصلا.

اقتصاد قائم على الوهم

خلف هذه الصناعة الافتراضية أرباح ضخمة، ففي عام واحد فقط، اكتشف باحثون في جامعة كورنيل للتكنولوجيا أكثر من 900 حساب على "إنستغرام" لعارضات أزياء مزيفات بالذكاء الاصطناعي، معظمهن يظهرن شبه عاريات، واستقطبن 13 مليون متابع ونشرن أكثر من 200 ألف صورة، وهذه الحسابات لا تكتفي بجمع الإعجابات، بل تحوّل الجمهور نحو منصات تجارية تدر أرباحا حقيقية.

وعلى المنصات الأخرى، يقدم مؤثرون دورات مدفوعة الأجر حول كيفية "الربح السريع" من إنتاج محتوى واسع الانتشار عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، ما يغذي صناعة موازية تتاجر بالأجساد الافتراضية والتحيزات الاجتماعية.

أمام هذا الطوفان الرقمي، بدأت بعض المنصات باتخاذ إجراءات لاحتواء الظاهرة، فقد أعلنت "يوتيوب" مؤخرا أن منشئي المحتوى المزيف أو المُنتج بكميات ضخمة لن يكونوا مؤهلين لتحقيق الدخل، لكن خبراء يشككون في قدرة هذه الخطوات على مواجهة موجة تُغذيها خوارزميات مصممة أصلا لمكافأة المحتوى الأكثر إثارة للجدل والانتشار.

أزمة ثقافية واجتماعية

القضية إذًا لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بالمجتمع والثقافة التي تحتضن هذه الممارسات، فحين يصبح التحيز ضد النساء مادة ترفيهية مربحة، وحين تُكافأ الحسابات المزيفة بملايين المتابعين، تتحول الخوارزميات إلى مرآة لواقع أكثر عمقا: واقع يعيد إنتاج الصور النمطية والتمييز بدلا من مواجهتها.

من مقاطع ساخرة إلى حسابات عارضات مزيفات، ومن فيديوهات تحرش افتراضية إلى قصص مختلقة عن مآسٍ غير موجودة، يفتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام موجة غير مسبوقة من المحتوى الذي يطمس الحدود بين الحقيقة والزيف، ويُعيد صياغة علاقتنا بالواقع الرقمي، لكن الخطر الأكبر يتجلى في إعادة إنتاج التحيزات الاجتماعية بأدوات تقنية حديثة، وتحويل النساء إلى موضوع للترفيه والاستهلاك الافتراضي.

وتُحذّر الأمم المتحدة من المخاطر المتزايدة للمحتوى المُزيّف المولّد بالذكاء الاصطناعي، معتبرةً أن هذه الظاهرة لا تقتصر على نشر التضليل بل تُفاقم من أشكال التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وأكدت تقارير صادرة عن هيئات أممية معنية بحرية التعبير وحقوق الإنسان أن التزييف الرقمي "يُقوّض ثقة المجتمعات بالمعلومات" ويُسهم في تطبيع الصور النمطية التي تُضر بالنساء والفئات المهمشة.

وترى المنظمة أن الاستخدام غير المنضبط للتقنيات الحديثة قد يحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة للتلاعب بالعقول ونشر خطاب الكراهية، داعيةً الحكومات وشركات التكنولوجيا إلى وضع أطر قانونية وأخلاقية تُوازن بين الابتكار وحماية الحقوق الأساسية للإنسان.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية