أطفال بلا عائل.. رهف وشقيقاتها يواجهن النزوح والمعاناة بمفردهن في غزة
أطفال بلا عائل.. رهف وشقيقاتها يواجهن النزوح والمعاناة بمفردهن في غزة
يعيش آلاف أطفال غزة اليوم واقعاً يتجاوز قدرتهم على الاحتمال، بعدما حرمتهم الحرب من أسرهم ومدارسهم وأمنهم وحقهم الطبيعي في أن يكونوا أطفالاً، وفي قلب هذا المشهد القاسي، تقف الطفلة رهف يوسف بدر، 13 عاماً، نموذجاً صارخاً لطفولة تُسحق أمام العنف والنزوح والفقد.. قصة رهف ليست استثناءً، بل مرآة لواقع يتكرر في كل مخيم وخيمة وشارع داخل القطاع.
تحمّل رهف بدر اليوم مسؤولية أسرة كاملة وحدها، بعدما فقدت الأم بسبب المرض والحصار، وفقدت الأب تحت أنقاض منزل دُمّر بالقصف، لم يُسمح لأحد بانتشال جثمانه، لتُحرم الأسرة من الوداع ومن دفن يليق بإنسانيته، بحسب ما ذكرت وكالة "أنباء المرأة"، اليوم الخميس.
تحولت رهف، دفعة واحدة، من تلميذة في الصف السابع إلى أمّ صغيرة تصحو قبل شقيقاتها وتنام بعدهن، وتطبخ لهن، وتحميهن، وتواسي خوفهن، رغم أنها طفلة مثلهن.
تقول رهف بصوت مرتجف: "وجدت نفسي أمّاً بلا اختيار.. كنت أكتب واجباتي المدرسية، واليوم أطبخ وأغسل وأهدهد أخواتي ليلاً".
مأساة متواصلة بلا حماية
تعيش العائلة في خيمة ممزقة في شمال القطاع، خيمة لا تُغلق في وجه الرياح، ولا تمنع المطر، ولا تحمي من الحر والبرد، تتحول الخيمة صيفاً إلى غرفة خانقة، وشتاءً إلى بقعة طينية تلتصق بالأجساد الصغيرة التي لا تجد مكاناً جافاً تنام عليه.
تقول رهف: "أخاف أن تسقط الخيمة فوق رؤوسنا، أو أن تمرض شقيقاتي بسبب البرد والجرذان والماء الملوث.. نحن نعيش في مكان لا يصلح للحياة".
هذه الظروف تمثل انتهاكاً مباشراً لحق الطفل في السكن الآمن وفق المادة (27) من اتفاقية حقوق الطفل.
صرخات بلا دواء
تعاني الأخت إسراء بدر (10 أعوام) من إصابة خطيرة في قدمها اليسرى بسبب شظية اخترقت ساقها. خضعت لعملية تثبيت ببلاتين حديدي، لكن منذ ذلك اليوم لم تتلقَّ أي رعاية طبية أو أدوية أو متابعة من أي جهة.
تقول إسراء: "قدمي تؤلمني طوال الوقت.. أبكي ليلاً لأنني لا أستطيع النوم.. لماذا لا يتوفر لي الدواء؟ هل هذا كثير على طفلة؟".
تلجأ رهف إلى تبريد جرح أختها بقطعة قماش مبللة - هذه ليست رعاية، بل محاولة يائسة للبقاء، ويُعدّ هذا الوضع إخلالاً بحق الطفل في الصحة والرعاية الطبية وفق المادة (24) من اتفاقية حقوق الطفل.
غياب شبكات الحماية
منذ وفاة الوالدين، يحاول أحد أقارب الأسرة استخراج كفالة أيتام للفتيات، لكن الإجراءات متوقفة، والمؤسسات عاجزة، والأبواب مغلقة؛ لا مساعدة مالية، لا دعماً نفسياً، لا إشرافاً اجتماعياً، ولا تدخلاً قانونياً.
تسأل رهف ببراءة موجعة: "لماذا تُترك طفلات مثلنا بلا مساعدة؟ لو كان لدينا كفالة واحدة فقط لكنا اشترينا الدواء والدفاتر والملابس".
هذا الحرمان يمثّل فشلاً واضحاً في قيام الجهات المختصة بواجباتها القانونية تجاه الأطفال الأيتام في مناطق النزاع.
حق التعليم معلّق في الهواء
ترى رهف صديقاتها من بعيد وهن يتجهن إلى المدرسة، فتتساءل بصوت مكسور: "أريد أن أعود إلى المدرسة.. لكن من سيهتم بالصغيرات؟".
بهذا السؤال، تكشف رهف عن انتهاك آخر لحقوق الطفل.. الحرمان من التعليم وفق المادة (28)، حيث تحولت المدرسة من حق إلى حلم بعيد لا يتحقق.
تنام رهف آخر واحدة وتصحو أول واحدة؛ تقاوم، وتطبخ، وتغسل، وتضمّد الجروح، وتمنع الجوع، وتحمي أخواتها من الخوف؛ هي ليست أماً، لكن الحرب أجبرتها على أن تكون كذلك.
تقول رهف في نهاية حديثها: "نحن لا نطلب الكثير.. نريد فقط أن نعيش مثل باقي الأطفال".
هذه الكلمات ليست مناشدة فقط، بل صرخة حقوقية تُلزم المجتمع الدولي بأن يتحرك، وأن يحمي من تبقى من أطفال غزة قبل أن يبتلعهم الخراب بالكامل.











