استطلاع يكشف تراجع التأييد لإسرائيل في الرأي العام الأمريكي وصعود التعاطف مع الفلسطينيين
استطلاع يكشف تراجع التأييد لإسرائيل في الرأي العام الأمريكي وصعود التعاطف مع الفلسطينيين
في تحول لافت يعكس تغيرا عميقا في اتجاهات الرأي العام داخل الولايات المتحدة، أظهر استطلاع حديث أن التعاطف مع الفلسطينيين بات يتفوق على نظيره تجاه إسرائيل، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين، في سياق تداعيات الحرب الأخيرة على قطاع غزة وما رافقها من صور إنسانية قاسية أثرت على وعي الجمهور الأمريكي.
ووفقا لما نقلته وكالة فرانس برس الجمعة عن مؤسسة جالوب في نتائج استطلاعها، فإن 41 في المئة من الأمريكيين أعربوا عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، مقابل 36 في المئة أبدوا تعاطفهم مع إسرائيل، بينما توزع الباقون بين الحياد أو دعم الطرفين أو عدم اتخاذ موقف واضح.
تحول في المزاج العام
تشير هذه النتائج إلى تحول نوعي في اتجاهات الرأي العام، خاصة إذا ما قورنت بنتائج العام السابق، حين كانت الكفة تميل بشكل واضح لصالح إسرائيل بنسبة 46 في المئة مقابل 33 في المئة للفلسطينيين، وعلى الرغم من أن الفارق الحالي لا يحمل دلالة إحصائية حاسمة، فإن رمزيته السياسية والاجتماعية تعكس تغيرا متراكما في نظرة الأمريكيين إلى الصراع.
ويرى محللون أن هذا التحول يرتبط بشكل مباشر بتداعيات الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023، وما تبعها من دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة في قطاع غزة، حيث لعبت التغطيات الإعلامية والصور الإنسانية دورا محوريا في إعادة تشكيل مواقف الرأي العام.
دور المستقلين في ترجيح الكفة
أحد أبرز العوامل التي أسهمت في هذا التحول يتمثل في مواقف الناخبين المستقلين، الذين أظهروا تعاطفا أكبر مع الفلسطينيين بفارق 11 نقطة مئوية مقارنة بإسرائيل. ويعد هذا المعطى مهما، نظرا للدور الحاسم الذي يلعبه المستقلون في ترجيح نتائج الانتخابات وصياغة المزاج السياسي العام في الولايات المتحدة.
ويعكس هذا التوجه تزايد حالة الاستياء من السياسات الإسرائيلية بين هذه الفئة، التي غالبا ما تتبنى مواقف أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطا بالاعتبارات الإنسانية والحقوقية.
انقسام حزبي حاد
على مستوى الانتماءات السياسية، يبرز الانقسام الحاد بين الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة. فقد أظهر الاستطلاع أن 70 في المئة من الجمهوريين، المرتبطين سياسيا بالرئيس دونالد ترامب لا يزالون يدعمون إسرائيل، رغم تراجع هذه النسبة بنحو 10 نقاط مئوية خلال العقد الماضي.
في المقابل، يتجه الديمقراطيون بشكل متزايد نحو دعم الفلسطينيين، حيث أعرب 65 في المئة منهم عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، مقابل 17 في المئة فقط أبدوا تعاطفا مع إسرائيل، ويعكس هذا التحول تغيرا تدريجيا في موقف الحزب الديمقراطي خلال السنوات الأخيرة.
جذور التحول داخل الحزب الديمقراطي
تعود جذور هذا التغير إلى ما يقرب من عقد من الزمن، حين برزت خلافات علنية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما خاصة في ما يتعلق بالسياسة تجاه إيران.
ومنذ ذلك الحين، شهدت إسرائيل تحولا سياسيا نحو اليمين، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقة مع القاعدة الديمقراطية في الولايات المتحدة، التي باتت أكثر حساسية تجاه قضايا حقوق الإنسان والسياسات العسكرية.
كما تعرض الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن لانتقادات من داخل حزبه، بسبب ما اعتبره بعض الناخبين تقاعسا عن ممارسة ضغوط كافية على إسرائيل خلال الحرب الأخيرة على غزة، وهو ما أسهم في تعميق الفجوة داخل القاعدة الديمقراطية.
تأثير الحرب على غزة
لا يمكن فصل هذا التحول في الرأي العام عن السياق الإنساني للحرب على غزة، والتي خلفت آثارا واسعة النطاق على المدنيين، وأثارت موجة من التعاطف الدولي مع الفلسطينيين، وقد ساهمت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في نقل صور المعاناة بشكل مكثف، ما عزز من حضور البعد الإنساني في تشكيل المواقف.
ويشير مراقبون إلى أن الأجيال الشابة في الولايات المتحدة تلعب دورا متزايدا في هذا التحول، حيث تميل إلى تبني مواقف أكثر نقدا للسياسات الإسرائيلية وأكثر دعما لحقوق الفلسطينيين، وهو ما قد تكون له انعكاسات طويلة الأمد على السياسة الأميركية في المنطقة.
انعكاسات محتملة على السياسة الخارجية
رغم أن السياسات الرسمية للولايات المتحدة لا تزال داعمة لإسرائيل، فإن هذا التحول في الرأي العام قد يفرض ضغوطا متزايدة على صناع القرار، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يصبح الرأي العام عاملا مؤثرا في توجيه الخطاب السياسي.
وقد يدفع هذا الواقع بعض السياسيين إلى إعادة النظر في مواقفهم أو على الأقل تعديل خطابهم بما يتماشى مع التغيرات في المزاج الشعبي، خصوصا داخل الحزب الديمقراطي.
منهجية الاستطلاع
أجري الاستطلاع عبر الهاتف وشمل عينة مكونة من 1001 أمريكي، خلال الفترة من 2 فبراير إلى 16 فبراير، ما يمنحه درجة من الموثوقية في قياس اتجاهات الرأي العام خلال مرحلة حساسة سياسيا وإنسانيا.
تعد مؤسسة جالوب واحدة من أبرز مؤسسات قياس الرأي العام في الولايات المتحدة والعالم، وقد دأبت منذ أكثر من 20 عاما على طرح سؤال دوري حول تعاطف الأمريكيين في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعلى مدى هذه السنوات، كانت الكفة تميل غالبا لصالح إسرائيل، في ظل تحالف استراتيجي طويل الأمد بين واشنطن وتل أبيب، مدعوم باعتبارات سياسية وأمنية وثقافية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات تدريجية في هذا الاتجاه، مدفوعة بعوامل متعددة، من بينها تغير الأجيال، وتصاعد دور وسائل الإعلام الرقمية، وتزايد الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان، إضافة إلى التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، ويأتي الاستطلاع الأخير ليعكس ذروة هذا التحول، ويفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل المواقف الأمريكية من أحد أكثر الصراعات تعقيدا في العالم.










