من بيروت إلى حلب.. اعتصام كردي يطالب بحماية المدنيين ورفض الصفقات الإقليمية

من بيروت إلى حلب.. اعتصام كردي يطالب بحماية المدنيين ورفض الصفقات الإقليمية
من وقفة الجالية الكردية في بيروت

شهدت العاصمة اللبنانية بيروت تحركا جماهيريا واسعا للجالية الكردية، في رسالة تضامن واضحة مع سكان حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب السورية، اللذين يواجهان تصعيدا عسكريا عنيفا منذ أيام، وسط مخاوف متزايدة من كارثة إنسانية جديدة تطول المدنيين المحاصرين.

وجاء الاعتصام الذي نُظم، اليوم السبت، بحسب وكالة أنباء المرأة أمام مقر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا الإسكوا بدعوة من الجالية الكردية في لبنان، حيث شارك مئات من أبناء الجالية وناشطين حقوقيين، مطالبين المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالتحرك العاجل لوقف الهجمات وضمان حماية السكان المدنيين، ووفق منظمي الاعتصام، يهدف التحرك إلى لفت أنظار العالم إلى ما يتعرض له المدنيون في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، في ظل صمت دولي متواصل.

ورفع المشاركون لافتات تعبر عن تضامنهم مع ما وصفوه بمقاومة الأهالي في مدينة حلب، مطالبين بوقف الهجمات التي أدت إلى سقوط قتلى وجرحى ونزوح أعداد كبيرة من السكان، كما عبّر المحتجون عن قلق بالغ على مصير أقاربهم المحاصرين، مؤكدين أن كثيرين منهم اضطروا للنزوح مرات متعددة خلال سنوات الحرب، قبل أن يجدوا أنفسهم مجددا تحت القصف في مدينة حلب.

وتحدث مشاركون عن معاناة يومية يعيشها المدنيون، في ظل الحصار ونقص الخدمات الأساسية، مشيرين إلى أن الاستهداف لم يقتصر على المساكن، بل طال مرافق حيوية من بينها منشآت طبية، ما يفاقم الوضع الإنساني ويهدد حياة الجرحى والمرضى.

صوت الشباب الكردي

وعلى هامش الاعتصام، قالت لافا بكر إن هذه الوقفة تأتي لإيصال صوت الشباب الكرد في لبنان إلى المجتمع الدولي، مؤكدة أن ما يجري في الشيخ مقصود والأشرفية لا يمكن فصله عن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تطول المدنيين في مناطق سورية متعددة، وأضافت أن الأهالي هناك يدافعون عن وجودهم وكرامتهم وهويتهم القومية في مواجهة هجمات تهدد حياة المدنيين ومستقبلهم.

وأوضحت أن التحرك الشعبي في بيروت يعكس شعورا عميقا بالمسؤولية تجاه ما يحدث في حلب، خاصة أن كثيرا من أبناء الجالية لهم أقارب يعيشون تحت الحصار، ويعانون انعدام الأمن والخوف الدائم من القصف.

ومن جهتها، أكدت حنان عثمان نائبة رئيس رابطة نوروز الثقافية الاجتماعية، أن الهجمات التي يتعرض لها حيا الشيخ مقصود والأشرفية منذ 5 أيام متواصلة تمثل تصعيدا خطيرا وغير مقبول، مشددة على أن الجالية الكردية في لبنان تحركت بشكل منظم لرفع ملف موثق إلى الأمم المتحدة.

وأوضحت عثمان أن الملف يتضمن توثيقا لانتهاكات وقعت خلال الأشهر الثلاثة الماضية، تشمل القتل والحصار والتجويع والاعتقالات التعسفية، مشيرة إلى أن هذه الانتهاكات طالت فئات واسعة من المدنيين، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، وأكدت أن التحرك يتم باسم الجمعيات والمنظمات النسائية الكردية واللبنانية، إلى جانب الجالية الكردية، في محاولة لتوحيد الجهود الحقوقية والإنسانية.

مخاوف من الانهيار الأمني

وأشارت عثمان إلى أن السكان كانوا قد توصلوا في شهر أبريل الماضي إلى اتفاق يقضي بوجود قوات الأسايش لتأمين حماية المدنيين داخل الحيين، إلا أن الهجمات الأخيرة أعادت المخاوف بقوة، ووضعت علامات استفهام حول مصير هذه الترتيبات الأمنية.

وأضافت أن ما يجري لا يقتصر على حلب، بل يأتي في سياق أوسع من العنف الذي طال مناطق أخرى ذات غالبية من الأقليات، معتبرة أن هذه الهجمات تهدد النسيج الاجتماعي السوري، وتزيد من معاناة مكونات عاشت في هذه المناطق منذ مئات السنين.

وأكدت عثمان أن حيي الشيخ مقصود والأشرفية يضمان سكانا أصليين إلى جانب نازحين من منطقة عفرين، الذين تعرضوا لعمليات تهجير متكررة خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى أن التصعيد الأخير طال حتى المرافق الطبية، وأوضحت أن طبيبين قُتلا في حي الأشرفية أثناء محاولتهما إسعاف الجرحى، في حادثة أثارت صدمة واسعة بين السكان.

وشددت على أن استهداف المنشآت الطبية والعاملين في القطاع الصحي يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، داعية إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الهجمات وضمان حماية الطواقم الطبية.

مطالب سياسية وإنسانية

وطالبت الجالية الكردية الأمم المتحدة بالتحرك الفوري لوقف ما وصفته بالعداء السافر ضد المدنيين في حلب، والعمل على ضمان عودة النازحين إلى مناطقهم بأمان، واحترام حقوق الأقليات ضمن إطار دولة ديمقراطية حديثة.

وأكدت عثمان أن الشعب الكردي جزء أصيل من المجتمع السوري، ولا يسعى إلى الانفصال أو إقامة دولة مستقلة، بل يطالب بحقوق دستورية تكفل له الحماية والعيش بكرامة والمشاركة السياسية، معتبرة أن هذه المطالب إنسانية وحقوقية مشروعة، وليست موضع مساومة أو صفقات إقليمية.

يعد حيا الشيخ مقصود والأشرفية من أبرز الأحياء ذات الغالبية الكردية في مدينة حلب شمالي سوريا، ويقطنهما مزيج من السكان الأصليين وكذلك نازحون من مناطق أخرى، خاصة من عفرين، ومنذ سنوات، تعرض الحيان لحصار متكرر وهجمات عسكرية، في سياق الصراع السوري المعقد وتعدد الأطراف المسلحة.

ومنذ 6 يناير 2026، تصاعدت الهجمات على الحيين باستخدام الطائرات المسيرة والأسلحة الثقيلة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى ونزوح عشرات الآلاف من المدنيين، بحسب مصادر محلية، ويخشى السكان من تكرار سيناريوهات سابقة شهدت تهجيرا قسريا وتغييرا ديموغرافيا في مناطق مختلفة من شمال سوريا.

ويأتي التحرك الذي شهدته بيروت في إطار سلسلة فعاليات تنظمها الجاليات الكردية في الخارج، في محاولة للضغط على المجتمع الدولي وتحريك المسارات الدبلوماسية والحقوقية، في ظل شعور متزايد بأن معاناة المدنيين في سوريا لم تعد تحظى بالاهتمام الكافي.

وفي ظل استمرار التصعيد، تبقى المخاوف قائمة من تفاقم الوضع الإنساني في حلب، ما لم يُتخذ تحرك دولي جاد يضع حدا للهجمات، ويضمن حماية المدنيين، ويعيد الاعتبار لمبادئ القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية