مأساة الطفولة تحت الصقيع.. وفاة رضيعين خلال 24 ساعة في قطاع غزة

مأساة الطفولة تحت الصقيع.. وفاة رضيعين خلال 24 ساعة في قطاع غزة
وفاة طفل رضيع جراء البرد

تفاقمت المأساة الإنسانية في قطاع غزة مع وفاة رضيع فلسطيني جديد جراء البرد القارس، في مشهد يلخص حجم المعاناة التي يعيشها آلاف النازحين داخل خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة، والرحيل الصامت للطفل الصغير لم يكن حادثا معزولا، بل حلقة جديدة في سلسلة من الوفيات التي يحصدها الشتاء القاسي بين الأطفال والضعفاء، في ظل ظروف إنسانية توصف بالكارثية.

وبحسب مصادر محلية نقلت عنها وكالة "قدس برس" الأحد، توفي الطفل محمد وسام أبو هربيد، البالغ من العمر شهرين، ليل أمس، في مدينة غزة نتيجة البرد الشديد، وأكدت المصادر أن هذه الوفاة هي الثانية خلال أقل من 24 ساعة، بعدما فقد قطاع غزة قبلها رضيعاً آخر في مدينة دير البلح وسط القطاع، كان يبلغ من العمر 7 أيام فقط، وتوفي للسبب ذاته.

خيام لا تقي الموت

الطفل محمد أبو هربيد هو خامس رضيع يفقد حياته بسبب البرد القارس داخل خيام النازحين منذ بدء فصل الشتاء الحالي، وتشير هذه الأرقام إلى واقع مأساوي يعيشه آلاف الأطفال الذين وجدوا أنفسهم بلا منازل، بعد أن دمرت بيوتهم أو اضطروا للنزوح هربا من القصف المستمر، الخيام المهترئة، التي لا تحمي من الرياح ولا تمنع تسرب المياه، تحولت إلى مصائد موت مع انخفاض درجات الحرارة.

يؤكد ذوو الضحايا أن الأطفال ينامون على الأرض، في ظل غياب وسائل التدفئة والأغطية الكافية، ومع نقص حاد في الغذاء والرعاية الصحية، ومع كل موجة برد، تتجدد المخاوف من فقدان المزيد من الأرواح، في وقت تبدو فيه المساعدات الإنسانية عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية.

رضيع آخر يرحل في دير البلح

قبل ساعات من وفاة الطفل محمد أبو هربيد، شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة وفاة رضيع يبلغ من العمر 7 أيام فقط، نتيجة البرد الشديد داخل خيمة تأوي أسرته النازحة، وهذه الوفاة السريعة بعد أيام قليلة من الولادة سلطت الضوء على هشاشة حياة المواليد الجدد في ظل الظروف الحالية، حيث لا تتوفر حاضنات ولا تدفئة ولا حتى مياه نظيفة بشكل منتظم.

وتحمل هذه الحوادث المتكررة دلالات قاسية على واقع القطاع، حيث أصبح البقاء على قيد الحياة تحديا يوميا، لا سيما للفئات الأكثر ضعفا مثل الأطفال والمرضى وكبار السن.

حصيلة ثقيلة للشتاء

كان الدفاع المدني الفلسطيني في قطاع غزة قد أعلن في نهاية العام الماضي وفاة 25 فلسطينيا جراء تداعيات المنخفضات الجوية والبرد القارس، إضافة إلى انهيار المنازل المتضررة بفعل القصف السابق، وأوضح أن هذه الوفيات شملت أطفالا ونساء وكبار سن، في ظل عجز فرق الإنقاذ عن الوصول السريع إلى بعض المناطق المتضررة.

وأشار الدفاع المدني إلى أنه منذ بدء تأثير المنخفضات الجوية، انهارت 18 بناية سكنية بشكل كامل، ما أسفر عن خسائر بشرية ومادية جسيمة، كما تعرضت أكثر من 110 بنايات سكنية لانهيارات جزئية خطرة، تشكل تهديدا مباشرا لحياة آلاف المواطنين القاطنين فيها أو في محيطها، وسط تحذيرات من تفاقم الوضع مع استمرار الأحوال الجوية القاسية.

بيئة معيشية قاتلة

تعكس هذه الأرقام واقع بيئة معيشية باتت غير صالحة للحياة، حيث تتداخل آثار الحرب مع قسوة الطبيعة، لتنتج كارثة إنسانية مركبة. فالمنازل المدمرة، والبنية التحتية المنهارة، وانعدام الكهرباء والوقود، كلها عوامل جعلت من الشتاء عدوا إضافيا لسكان القطاع.

ويقول سكان محليون إن كثيرين يضطرون لاستخدام وسائل بدائية للتدفئة، مثل إشعال الحطب أو البلاستيك، ما يعرضهم لمخاطر صحية إضافية، في حين يبقى الأطفال الرضع بلا أي وسيلة حماية حقيقية من البرد.

حرب مستمرة ومعاناة بلا توقف

تأتي هذه المآسي الإنسانية في سياق حرب مدمرة تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، بدعم أمريكي وأوروبي، وفق ما تؤكده مصادر فلسطينية، وقد شملت هذه الحرب عمليات قتل وتجويع وتدمير وتهجير واعتقال على نطاق واسع، في تجاهل للنداءات الدولية المتكررة، ولأوامر محكمة العدل الدولية التي دعت إلى وقف هذه العمليات.

وأسفرت هذه الحرب عن أكثر من 239000 فلسطيني بين شهيد وجريح، غالبيتهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 11000 مفقود، ومئات الآلاف من النازحين الذين يعيشون في ظروف إنسانية شديدة القسوة، كما أدت إلى مجاعة أزهقت أرواح كثيرين، معظمهم من الأطفال، في ظل نقص حاد في الغذاء والمياه الصالحة للشرب.

مدن مدمرة وواقع بلا أفق

لم تقتصر آثار الحرب على الخسائر البشرية، بل امتدت إلى دمار شامل طال معظم مدن ومناطق قطاع غزة، حيث محيت أحياء كاملة من على الخريطة، وتعرضت المدارس والمستشفيات والبنية التحتية الأساسية للتدمير، ما جعل الاستجابة الإنسانية أكثر صعوبة، وزاد من معاناة السكان مع كل أزمة جديدة، سواء كانت عسكرية أو طبيعية.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو وفيات الرضع بسبب البرد مؤشرا صارخا على عمق الأزمة، ودليلا على أن الأطفال يدفعون الثمن الأكبر في حرب لا يملكون حيالها أي خيار.

يعيش قطاع غزة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه، نتيجة حصار طويل الأمد وتصعيد عسكري غير مسبوق، ومع تدمير واسع للمساكن وتشريد مئات آلاف العائلات، اضطر كثيرون للعيش في خيام ومراكز إيواء غير مجهزة، ومع دخول فصل الشتاء، تحولت هذه الملاجئ المؤقتة إلى بيئة خطرة، خاصة على الأطفال الرضع الذين يحتاجون إلى تدفئة ورعاية صحية مستمرة، وتأتي وفيات الأطفال بسبب البرد لتكشف عجز المجتمع الدولي عن توفير الحد الأدنى من الحماية للمدنيين، وتطرح تساؤلات ملحة حول مصير آلاف الأطفال الآخرين الذين يواجهون شتاء قاسيا في ظل حرب لا تزال مستمرة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية