قضية الروهينغا.. سلطات ميانمار تواجه اتهامات بالإبادة أمام محكمة العدل الدولية
قضية الروهينغا.. سلطات ميانمار تواجه اتهامات بالإبادة أمام محكمة العدل الدولية
تواجه سلطات ميانمار اليوم الاثنين محطة قانونية مفصلية مع بدء جلسات الاستماع أمام محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، للنظر في اتهامات تتعلق بمسؤوليتها عن ارتكاب إبادة جماعية بحق أقلية الروهينغا العرقية، وتعيد هذه الجلسات ملفاً إنسانياً بالغ الحساسية إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعد سنوات من الانتظار والتجاذبات القانونية والسياسية.
تعود القضية إلى عام 2019 حين تقدمت دولة جامبيا الواقعة في غرب إفريقيا بدعوى رسمية ضد ميانمار أمام محكمة العدل الدولية، مستندة إلى تقارير واسعة النطاق تحدثت عن حملة عسكرية نفذها جيش ميانمار في عام 2017 ضد الروهينغا، ووفقاً لما أوردته مصادر قضائية وأممية، استندت الدعوى إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، معتبرة أن ما جرى في ولاية راخين يرقى إلى انتهاك مباشر لهذه الاتفاقية، وفق وكالة أسوشيتد برس.
تنفي سلطات ميانمار بشكل قاطع هذه الاتهامات، وتؤكد أن العمليات العسكرية التي نُفذت في ولاية راخين جاءت رداً على هجمات شنتها جماعات مسلحة من الروهينغا، ومنذ ذلك الوقت، باتت البلاد تحت سيطرة الجيش، ما أضفى على القضية أبعاداً سياسية إضافية، في ظل اتهامات دولية متزايدة للسلطات العسكرية بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
تحذير من الإفلات من العقاب
خلال جلسات تمهيدية عُقدت في عام 2022، شدد محامو جامبيا على أن غياب دور محكمة العدل الدولية في هذه القضية سيترك جيش ميانمار خارج أي إطار للمساءلة الدولية، واعتبروا أن عدم محاسبته من شأنه أن يفتح الباب أمام استمرار اضطهاد الروهينغا وتدمير وجودهم بوصفهم جماعة عرقية ودينية داخل البلاد.
بدأت الأحداث التي فجرت القضية في ولاية راخين غرب ميانمار في عام 2017، عقب هجوم شنته جماعة متمردة من الروهينغا على مواقع أمنية، ورداً على ذلك، أطلق الجيش حملة عسكرية واسعة النطاق، وُجهت خلالها اتهامات لقوات الأمن بارتكاب عمليات قتل جماعي واغتصاب وحرق آلاف المنازل، وأسفرت هذه الحملة عن فرار أكثر من 700 ألف من الروهينغا إلى بنغلاديش المجاورة، في واحدة من كبرى موجات النزوح في المنطقة خلال العقود الأخيرة.
في المراحل الأولى من القضية، مثلت أونج سان سو تشي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام ورئيسة الحكومة المدنية آنذاك، ميانمار أمام المحكمة، ونفت في عام 2019 ارتكاب القوات المسلحة إبادة جماعية، معتبرة أن النزوح الواسع كان نتيجة مؤسفة لعمليات عسكرية ضد متمردين، غير أن المشهد السياسي في البلاد تبدل جذرياً بعد ذلك، إذ أطاح الجيش بالحكومة المدنية، لتجد سو تشي نفسها خلف القضبان بعد إدانتها بتهم يقول أنصارها إنها ذات دوافع سياسية.
الطعن في اختصاص المحكمة
سعت ميانمار في مسارها القانوني إلى الطعن في اختصاص محكمة العدل الدولية للنظر في القضية، بحجة أن جامبيا ليست طرفاً مباشراً في النزاع ولا تربطها صلة جغرافية أو سياسية مباشرة بالأحداث، غير أن قضاة المحكمة رفضوا هذا الدفع في عام 2022، مؤكدين أن كلا البلدين طرفان في اتفاقية منع الإبادة الجماعية، ما يمنح أي دولة موقعة الحق في اللجوء إلى المحكمة لحماية أحكام الاتفاقية.
ينظر إلى هذه القضية على أنها اختبار حاسم لقدرة القانون الدولي على مساءلة الدول عن أخطر الجرائم، حتى في غياب روابط مباشرة بين أطراف النزاع والدول المدعية، كما تمثل القضية أملاً لكثير من الناجين من الروهينغا في أن يتم الاعتراف بمعاناتهم ضمن إطار قانوني دولي، بعد سنوات من العيش في مخيمات اللجوء في بنغلاديش وسط ظروف إنسانية صعبة.
ورغم أن إجراءات محكمة العدل الدولية معروفة بطولها وتعقيدها، فإن مجرد انعقاد جلسات الاستماع يحمل دلالة رمزية كبيرة، فالقضية لا تتعلق فقط بتحديد المسؤولية القانونية لميانمار، بل أيضاً بتأكيد مبدأ عدم الإفلات من العقاب في الجرائم التي تمس الوجود الإنساني لجماعات بأكملها.
تعد قضية الروهينغا واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدا في جنوب شرق آسيا، فالروهينغا، وهم أقلية مسلمة تعيش في ولاية راخين، حرموا لعقود من الجنسية وحقوق المواطنة في ميانمار، ما جعلهم عرضة للتهميش والاضطهاد، وبعد حملة عام 2017، بات معظمهم لاجئين في بنغلاديش، حيث يعيشون في مخيمات مكتظة وسط اعتماد شبه كامل على المساعدات الدولية، وتأتي جلسات محكمة العدل الدولية في سياق دولي يشهد تصاعدا في الدعوات لمحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة، في وقت تبقى فيه أوضاع الروهينغا معلقة بين انتظار العدالة واستمرار المعاناة الإنسانية.










