من المركز الـ18 إلى 140.. القوانين الأمنية تُطيح بمؤشر حرية الصحافة في هونغ كونغ
الخطوط الحمراء والرقابة الذاتية
كشفت التطورات المتسارعة في هونغ كونغ عن تآكل ممنهج للحق في حرية التعبير وحرية الصحافة، بوصفهما من الحقوق المدنية الأساسية التي كفلتها القوانين المحلية والدولية، بعدما تحوّل المشهد الإعلامي في المدينة، التي عُرفت طويلًا بانفتاحها، إلى ساحة محكومة بـ"الخطوط الحمراء" وتغذّيها الرقابة الذاتية، وفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس.
وسجّل مؤشر حرية الصحافة العالمي تراجع ترتيب هونغ كونغ من المركز الثامن عشر إلى المركز المئة والأربعين خلال نحو عشرين عامًا، وهو تراجع ربطته الوكالة بإغلاق مؤسسات إعلامية بارزة، وفرض قيود متزايدة على الصحفيين، وتنامي الرقابة الذاتية في مختلف أنحاء الإقليم.
كما ارتبط هذا التراجع، بسياق أوسع من تقليص الحريات المدنية في المدينة التي كانت تُدار بنمط قانوني غربي، منذ عام 2020، حين فرضت بكين قانون الأمن القومي عقب احتجاجات 2019 الواسعة المناهضة للحكومة.
اعتقالات وإغلاقات وإدانات
تمتّعت بيئة الإعلام في هونغ كونغ، كما نقلت أسوشيتد برس، بهامش واسع من الحرية، حيث كان الصحفيون يوجّهون أسئلة حادة للحكومة، وتنشر المؤسسات الإعلامية تقارير نقدية حتى عندما كان مالكوها موالين لبكين.
تقلّصت هذه المساحة بشكل حاد بعد فرض قانون الأمن القومي، الذي اعتبرته السلطات الصينية ضروريًا لاستعادة الاستقرار، لكنه استخدم لاحقًا، وفق الوقائع الواردة في تقارير الوكالة، لتقييد العمل الصحفي.
وُجّهت في عام 2020 اتهامات إلى مؤسس صحيفة "آبل ديلي"، قطب الإعلام جيمي لاي، ليصبح من أوائل الشخصيات البارزة التي تُلاحق بموجب القانون.
وخلال عام واحد، اعتُقل كبار المسؤولين التنفيذيين في الصحيفة، ودهمت الشرطة مقرها، وجُمدت أصول بقيمة 2.3 مليون دولار، ما أدى فعليًا إلى إغلاقها في يونيو 2021.
واجه موقع "ستاند نيوز" الإخباري مصيرًا مشابهًا في ديسمبر من العام نفسه، بعد اعتقالات ومداهمات وتجميد أصول، لتنتهي بذلك واحدة من أبرز المنصات الإخبارية المستقلة.
وهبطت هونغ كونغ، بحلول عام 2022، 68 مركزًا إلى المرتبة الـ148 في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود".
أُدين في عام 2024 محرران من "ستاند نيوز"، ليصبحا أول صحفيين منذ عام 1997 يُدانان بالتآمر لنشر مقالات تحريضية بموجب قانون يعود إلى الحقبة الاستعمارية.
الخطوط الحمراء
أوضح أستاذ الصحافة والإعلام في الجامعة الصينية في هونغ كونغ، فرانسيس لي، أن قضيتي "آبل ديلي" و"ستاند نيوز" أظهرتا أن ممارسات صحفية كانت شائعة في الماضي لم تعد مسموحة اليوم، مشيرًا إلى أن تعليقات نقدية حادة قد تُصنف الآن باعتبارها "تحريضية".
وقال لي إن الصحافة المناصرة كانت تُمارس سابقًا ضمن الإطار القانوني، لكن ذلك تغيّر بعد سن قانون الأمن القومي، مؤكدًا أن "ما كان مسموحًا به في الماضي، لم يعد كذلك اليوم".
وبرزت الرقابة الذاتية، وفق المصدر نفسه، ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضًا بفعل ضغوط اقتصادية، حيث تسعى المؤسسات الإعلامية إلى الحفاظ على مصادر دخلها من المعلنين والشركات الكبرى، التي ترتبط مصالحها بالسوق الصينية وعلاقاتها مع الحكومة.
وتراجعت قدرة الصحفيين على إيجاد مصادر للمقابلات، إذ أشار لي إلى أن كثيرين باتوا يرفضون الحديث، ما جعل الرقابة الذاتية "ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار".
سُجن عدد من السياسيين المعارضين والنشطاء البارزين بموجب قانون الأمن القومي، وأُغلقت عشرات منظمات المجتمع المدني، بينما أصبح السكان أكثر ترددًا في التحدث إلى الصحافة.
حذّرت رئيسة جمعية صحفيي هونغ كونغ، سيلينا تشينغ، من أن العديد من القصص الحساسة سياسيًا أو التي تُشكك في أداء السلطات لا تُنشر بسهولة، مشيرة إلى قلق واسع بشأن ضرورة تضمين ردود حكومية أو موالية لبكين لتحقيق ما يُسمى بالتوازن.
وقالت تشينغ إن ممارسة الصحافة في هونغ كونغ تعني العيش في حالة قلق دائم بشأن المخاطر المحتملة.
الحريق المميت
كشف حريق هائل أودى بحياة 161 شخصًا على الأقل في مجمع سكني أواخر نوفمبر عن طبيعة التحولات في العمل الصحفي، بحسب أسوشيتد برس.
انتشر الصحفيون عقب الحريق الذي اندلع في 26 نوفمبر لتغطية الحدث، وأجروا مقابلات مع المتضررين، وحققوا في دور شبكات السقالات، ونشروا تقارير عن مخاوف تتعلق برقابة الحكومة.
تلت هذه التغطية تحذيرات واعتقالات، حيث استدعى جهاز الأمن القومي ممثلين عن عدة وسائل إعلام أجنبية، من بينها أسوشيتد برس، في 6 ديسمبر، متهمًا بعض التقارير بنشر معلومات مضللة وتشويه جهود الإغاثة.
خفتت الأصوات العامة بعد اعتقال غير صحفيين بتهم تتعلق بنشر محتوى تحريضي أو تنظيم عرائض، ما قلل من عدد الأشخاص المستعدين للحديث إلى الصحفيين.
أُلغي مؤتمر صحفي بشأن الحريق، واستُدعي أحد منظميه، بروس ليو، من قبل الشرطة، كما حُذف تقرير استقصائي لصحيفة موالية لبكين من موقعها الإلكتروني.
محاكمة جيمي لاي
بدأت محكمة في هونغ كونغ جلسات الاستماع بشأن الحكم بحق الناشط الديمقراطي وقطب الإعلام السابق جيمي لاي، البالغ من العمر 78 عامًا، والمتهمين معه، في قضية قد تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد.
وأُدين لاي في ديسمبر بالتآمر للتواطؤ مع قوى أجنبية والتآمر لنشر منشورات تحريضية، وهي إدانة أثارت مخاوف واسعة بشأن حرية الصحافة، كما ذكرت أسوشيتد برس.
واستمعت المحكمة إلى مرافعات بشأن تخفيف الأحكام، حيث اقترح محامو المتهمين أحكامًا أولية تراوح بين 10 و15 عامًا، مع المطالبة بتخفيفها.
وناقشت المحكمة الحالة الصحية للاي، حيث قال المدعي العام، أنتوني تشاو، إن حالته مستقرة، وإنه فقد 0.8 كيلوغرام فقط خلال خمس سنوات من الاحتجاز، مشيرًا إلى أن وزنه بلغ 79.2 كيلوغرام عند آخر قياس.
واصطف عشرات الأشخاص خارج المحكمة لحجز مقاعد، فيما قال المتقاعد سيمون نغ إنه أراد إظهار الدعم للاي.
وأكدت الحكومة الصينية أن القضية لا تتعلق بحرية الصحافة، بينما شدد القضاة على أن لاي لم يُحاكم بسبب آرائه السياسية، وفق ما ورد في حكمهم.
وعكست الوقائع التي وثقتها أسوشيتد برس واقعًا حقوقيًا جديدًا في هونغ كونغ، حيث بات العمل الصحفي محاطًا بقيود قانونية وضغوط سياسية واقتصادية، في بيئة تتراجع فيها حرية التعبير، وتتمدد فيها الرقابة الذاتية، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل الحق في المعرفة داخل المدينة.










