حرائق الغابات تحصد الأرواح وتدفع سلطات تشيلي إلى إجلاء السكان

حرائق الغابات تحصد الأرواح وتدفع سلطات تشيلي إلى إجلاء السكان
اطفاء حرائق الغابات

استفاقت تشيلي اليوم الاثنين على واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية دموية في تاريخها الحديث، بعدما أعلنت السلطات أن حرائق الغابات المشتعلة في مناطق واسعة من البلاد أسفرت عن مقتل 19 شخصا على الأقل، ومع تصاعد ألسنة اللهب وانتشارها بسرعة كبيرة، اضطرت الحكومة إلى تنفيذ عمليات إجلاء جماعي للسكان، في محاولة لتقليل الخسائر البشرية وسط ظروف مناخية بالغة القسوة.

وبحسب ما نقلته وكالة رويترز، أكد وزير الأمن لويس كورديرو خلال مؤتمر صحفي عقد اليوم أن فرق الطوارئ تمكنت من الاستفادة من تحسن نسبي في الأحوال الجوية خلال ساعات الليل، ما ساعد في السيطرة على بعض بؤر الحرائق، إلا أن الوزير شدد على أن أكبر الحرائق لا تزال مشتعلة، محذرا من أن الظروف الجوية السيئة مرشحة للاستمرار طوال اليوم، الأمر الذي يزيد من صعوبة جهود الإطفاء.

موجة حر خانقة

تشهد أجزاء واسعة من وسط تشيلي وجنوبها موجة حر شديدة، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات عاجلة للسكان، وتشير التوقعات إلى أن درجات الحرارة قد تصل إلى 37 درجة مئوية، وهو مستوى قياسي يزيد من اشتعال الغابات الجافة ويسرع انتشار النيران، وترافق هذه الحرارة المرتفعة رياح عاتية، ما يحول الحرائق إلى جبهات مفتوحة يصعب احتواؤها.

في ظل هذه الظروف، تخوض فرق الإطفاء سباقا حقيقيا مع الزمن، فبحلول مساء أمس الأحد، أعلنت المؤسسة الوطنية للغابات أن رجال الإطفاء يكافحون 23 حريقا نشطا في أنحاء متفرقة من البلاد، وتتركز أخطر هذه الحرائق في منطقتي نيوبل وبيو بيو، حيث تسببت النيران في دمار واسع للمناطق السكنية والأراضي الزراعية.

إعلان حالة الكارثة

أمام خطورة الوضع، أعلن الرئيس جابرييل بوريتش حالة الكارثة في المناطق المتضررة، ما يتيح للحكومة استخدام صلاحيات استثنائية لتعبئة الموارد وتسريع عمليات الإغاثة والإجلاء، ويهدف هذا الإعلان إلى تسهيل تنسيق الجهود بين الجيش وقوات الأمن والدفاع المدني، وضمان وصول المساعدات إلى السكان المتضررين في أسرع وقت ممكن.

شملت عمليات الإجلاء آلاف العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها على عجل، تاركة خلفها ممتلكاتها في مواجهة النيران، وشهدت الطرق الرئيسية ازدحاما شديدا مع انتقال السكان إلى مراكز إيواء مؤقتة، فيما عملت السلطات المحلية على توفير الاحتياجات الأساسية من غذاء ومياه ورعاية صحية.

ضحايا ودمار

لم تقتصر الخسائر في تشيلي على الأرواح البشرية، إذ التهمت الحرائق مساحات شاسعة من الغابات والمزارع، وألحقت أضرارا جسيمة بالبنية التحتية، وتعرضت منازل للتدمير الكامل، بينما انقطعت الكهرباء والاتصالات عن بعض المناطق، ما زاد من معاناة السكان وصعوبة عمليات الإنقاذ.

تواجه فرق الإطفاء تحديات هائلة في الميدان، أبرزها وعورة التضاريس واتساع رقعة الحرائق، إضافة إلى نقص الرؤية بسبب الدخان الكثيف، كما أن الرياح المتقلبة تسهم في تغيير مسار النيران بشكل مفاجئ، ما يضع رجال الإطفاء أمام مخاطر مستمرة أثناء محاولاتهم تطويق الحرائق ومنع وصولها إلى مناطق جديدة.

في خضم هذه المأساة، برزت مظاهر تضامن واسعة بين المواطنين، حيث بادر متطوعون إلى تقديم المساعدات للمتضررين، وجمعت تبرعات لدعم العائلات التي فقدت منازلها، كما دعت منظمات المجتمع المدني إلى تعزيز الوعي بمخاطر الحرائق وضرورة الالتزام بتعليمات السلامة خلال موجات الحر الشديدة.

الحرائق والتغير المناخي

يرى خبراء أن ما تشهده تشيلي من حرائق مدمرة يرتبط بشكل وثيق بتداعيات التغير المناخي، الذي أدى إلى ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار، ما جعل الغابات أكثر عرضة للاشتعال، وتشير الدراسات إلى أن مواسم الحرائق باتت أطول وأكثر شدة مقارنة بالسنوات الماضية، ما يتطلب استراتيجيات جديدة للوقاية والاستجابة.

مع استمرار الظروف الجوية القاسية، يسود قلق واسع من احتمال ارتفاع حصيلة الضحايا وتوسع رقعة الدمار. 

وتحذر السلطات من أن أي تغيير مفاجئ في اتجاه الرياح قد يؤدي إلى اشتعال مناطق لم تكن مهددة من قبل، ما يستدعي بقاء السكان في حالة تأهب قصوى.

جددت الحكومة دعوتها للمواطنين إلى الالتزام بتعليمات السلامة، وتجنب إشعال النيران أو القيام بأي أنشطة قد تزيد من خطر اندلاع الحرائق.

 كما ناشدت السكان في المناطق المهددة الاستجابة السريعة لأوامر الإخلاء حفاظا على أرواحهم.

تعاني تشيلي منذ سنوات من تصاعد خطير في حرائق الغابات، خاصة خلال فصول الصيف التي تشهد موجات حر غير مسبوقة، وتعد مناطق وسط وجنوب البلاد الأكثر تضررا بسبب كثافة الغطاء النباتي والجفاف المتكرر، وفي السنوات الأخيرة، تسببت هذه الحرائق في خسائر بشرية ومادية جسيمة، ما دفع السلطات إلى مراجعة سياساتها المتعلقة بإدارة الغابات والاستعداد للكوارث، ويؤكد خبراء البيئة أن مواجهة هذا التحدي تتطلب استثمارات طويلة الأمد في الوقاية، وتعزيز قدرات فرق الإطفاء، إلى جانب سياسات فعالة للتكيف مع التغير المناخي، الذي بات يشكل عاملا حاسما في تفاقم الكوارث الطبيعية في تشيلي والمنطقة بأسرها.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية