سيول إدلب تعيد مأساة المخيمات إلى الواجهة وتكشف هشاشة حياة النازحين
سيول إدلب تعيد مأساة المخيمات إلى الواجهة وتكشف هشاشة حياة النازحين
أعادت مشاهد موجعة للسيول التي اجتاحت مخيمات النازحين في ريف إدلب خلال الأيام الماضية إلى الواجهة واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية إلحاحاً في شمال سوريا، وتسببت صور الخيام الغارقة والطين الذي ابتلع الممرات الضيقة بين المساكن المؤقتة، والتي انتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، في إثارة موجة غضب واسعة وتساؤلات متجددة حول مصير مئات الآلاف الذين ما زالوا يعيشون تحت القماش بعد سنوات طويلة من النزوح.
وذكرت وكالة الأنباء الألمانية الأربعاء أنه بحسب ما تداولته منصات إعلامية محلية وناشطون على مواقع التواصل، فإن السيول الأخيرة ألحقت أضراراً واسعة بعدد من المخيمات في ريف إدلب، وتسببت في وفاة طفلين غرقاً إلى جانب تسجيل إصابات بين المدنيين ومتطوعين من فرق الإنقاذ الذين حاولوا إنقاذ العالقين داخل الخيام المغمورة بالمياه، وقد عكست المشاهد حجم المعاناة التي يواجهها النازحون مع كل منخفض جوي جديد، في ظل غياب حلول جذرية تنهي حياة المخيمات.
تصاعد الغضب الشعبي
الصور المتداولة لم تكتفِ بإظهار حجم الكارثة الإنسانية، بل أعادت فتح ملف النازحين بوصفه أحد أكثر الملفات إهمالاً رغم التحولات السياسية التي شهدتها البلاد خلال العام الأخير، وتساءل ناشطون عن سبب استمرار حياة الخيام بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، في وقت كان يفترض أن تشهد مناطق واسعة مشاريع إعادة إعمار أو برامج إسكان بديلة.
وتداول ناشطون مقاطع مصورة تظهر تدفق المياه بين الخيام وانهيار بعضها فوق رؤوس ساكنيها، في مشهد اختصر سنوات من العجز والانتظار، وبدا واضحاً أن المخيمات ما تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من البنية التحتية التي يمكن أن تحميها من أخطار الأمطار والسيول، وهو ما يجعل الكارثة تتكرر كل عام تقريباً.
ضحايا بين الأطفال
المعلومات الأولية التي خرجت من المنطقة أشارت إلى وفاة طفلين بعد أن جرفتهما السيول، في حادثة أعادت إلى الأذهان سلسلة من الكوارث المشابهة التي وقعت خلال مواسم الشتاء الماضية، كما سجلت إصابات في صفوف عدد من المدنيين ومتطوعين كانوا يحاولون مساعدة الأسر على إخلاء خيامها أو تثبيتها في وجه تدفق المياه.
هذه الحوادث أثارت موجة تعاطف واسعة، لكنها في الوقت نفسه فجرت موجة غضب بسبب ما وصفه ناشطون بأنه استمرار للمعالجات المؤقتة التي لا تضع حداً للمأساة، بل تؤجلها إلى العاصفة التالية.
استجابات محدودة
في المقابل اقتصرت الإجراءات الرسمية على تدخلات إسعافية عاجلة تمثلت في تقديم مساعدات مؤقتة وإخلاء بعض العائلات من المناطق الأكثر تضرراً. ولم يصدر إعلان عن خطة واضحة لإعادة إسكان المتضررين أو إطلاق مشروع شامل لمعالجة أزمة المخيمات في سوريا بشكل جذري.
ويرى مراقبون أن هذه الاستجابات المؤقتة لا يمكن أن تشكل حلاً دائماً، خصوصاً مع تكرار التحذيرات من أن المخيمات ستواجه الكارثة نفسها مع كل منخفض جوي جديد. ويشير ناشطون إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بغياب الإمكانات، بل بغياب رؤية طويلة الأمد تنهي حالة الانتظار المفتوح.
حملة رقمية للفت الانتباه
في خضم هذا المشهد أطلق ناشطون وممثلون عن المجتمع المدني حملة رقمية واسعة هدفت إلى تسليط الضوء على أوضاع المخيمات، وشارك في الحملة عدد من الممثلين السوريين الذين نشروا رسائل تضامن مع النازحين، مؤكدين أن النجاة المؤقتة لا تمثل حلاً حقيقياً، وأن المطلوب هو معالجة جذرية تنهي حياة الخيام.
الحملة ركزت على فكرة أن المخيمات لا يمكن أن تكون حلاً دائماً، وأن استمرارها بهذا الشكل يعكس عجزاً سياسياً وإدارياً عن إيجاد حلول مستدامة، كما دعت إلى وضع خطة واضحة لإعادة الإسكان وتوفير مساكن لائقة تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
تصريحات رسمية
من جهته أكد محافظ إدلب محمد عبد الرحمن أن الرئيس السوري أحمد الشرع شدد على ضرورة المتابعة المستمرة لأوضاع المهجرين في مخيمات إدلب وتلبية احتياجاتهم، وأوضح أن اتصالاً هاتفياً جرى يوم الاثنين ركز على ضرورة تقديم الدعم والرعاية للأهالي المتضررين من العاصفة المطرية والسيول التي ضربت المنطقة.
وأشار المحافظ إلى أن الرئيس اطمأن على أوضاع الأهالي في المخيمات، وأكد أن الهدف الأول للدولة يتمثل في تأمين عودة المهجرين إلى مدنهم وقراهم بأمان، كما أوضح أن الأعمال الحكومية المختلفة تندرج ضمن خطة شاملة لإعادة البناء والإعمار، وأن المشاريع الجاري تنفيذها تهدف في نهاية المطاف إلى تأمين عودة كريمة للنازحين إلى مناطقهم الأصلية.
وعود العودة
التصريحات الرسمية جاءت في وقت تتصاعد فيه المطالب الشعبية بوضع جدول زمني واضح لخطط إعادة الإسكان والعودة، ويرى ناشطون أن الحديث عن العودة الآمنة لا بد أن يرافقه برنامج عملي يتضمن إعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية في المناطق الأصلية للنازحين.
ويحذر مراقبون من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية داخل المخيمات، خصوصاً مع تدهور الظروف المعيشية وارتفاع معدلات البطالة بين النازحين، كما يشيرون إلى أن جيل الأطفال الذي ولد في المخيمات يواجه مخاطر صحية وتعليمية متزايدة مع كل موسم شتاء.
تضم محافظة إدلب ومحيطها واحداً من أكبر تجمعات النازحين في سوريا، حيث يعيش مئات الآلاف في مخيمات مؤقتة منذ سنوات، وتشكل هذه المخيمات حلاً إسعافياً تم إنشاؤه خلال فترات النزوح الجماعي بين عامي 2012 و2020، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى مساكن دائمة تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية مثل شبكات الصرف الصحي والطرق المعبدة وأنظمة تصريف مياه الأمطار، ومع كل شتاء تتكرر حوادث الغرق وانهيار الخيام نتيجة السيول، في ظل محدودية الموارد واعتماد معظم السكان على المساعدات الإنسانية، ورغم التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025، ما زالت قضية إعادة إسكان النازحين تمثل تحدياً كبيراً يرتبط بإعادة الإعمار وتأهيل المدن والقرى الأصلية، إضافة إلى توفير الخدمات الأساسية وفرص العمل التي تشجع على العودة والاستقرار.











