ريف الحسكة الشمالي يختنق بالمهجرين قسراً وأزمة إنسانية تتجاوز حدود الاحتمال
ريف الحسكة الشمالي يختنق بالمهجرين قسراً وأزمة إنسانية تتجاوز حدود الاحتمال
تتفاقم الأزمة الإنسانية في ريف محافظة الحسكة الشمالي يوما بعد يوم، مع استمرار تدفق آلاف المهجرين قسرا نحو مدينة القامشلي، التي باتت تتحمل عبئا يفوق طاقتها الاستيعابية، وتحولت المدينة التي كانت تشكل نقطة استقرار نسبي، في الأسابيع الأخيرة إلى مركز مكتظ بعائلات فرت من مناطق عين عيسى والطبقة والرقة، إضافة إلى مهجري عفرين وحيي الشيخ مقصود والأشرفية، هربا من القصف والاشتباكات المتصاعدة.
بحسب ما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان الاثنين، فقد وصل إلى مدينة القامشلي منذ اندلاع الاشتباكات في ريف الرقة وحتى اليوم أكثر من 15000 مهجر قسرا.
وذكر المرصد أن هذه العائلات توزعت على أكثر من 100 مركز إيواء داخل المدينة، إضافة إلى الجوامع وخيم العزاء ومنازل غير صالحة للسكن، تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، سواء من حيث التدفئة أو المياه النظيفة أو الخدمات الصحية.
التهجير القسري
يرفض القادمون إلى القامشلي وصفهم بالنازحين، ويصرون على تعريف أنفسهم كمهجرين قسرا، في تعبير يحمل بعدا نفسيا وإنسانيا عميقا، ويؤكد هؤلاء أنهم لم يغادروا منازلهم بحثا عن ظروف أفضل، بل اضطروا إلى الفرار تحت وطأة القصف العنيف الذي نفذته القوات الحكومية، والردود العسكرية من قبل قوات سوريا الديمقراطية، في مشهد أعاد إلى الأذهان سنوات طويلة من التهجير المتكرر.
على الصعيد الصحي، تتكشف ملامح كارثة صامتة داخل مراكز الإيواء، فقد أفاد نشطاء المرصد السوري بانتشار واسع للأمراض التنفسية والصدرية بين الأطفال، نتيجة فقدان وسائل التدفئة وقسوة ظروف الإيواء، خاصة مع انخفاض درجات الحرارة، ويعاني الأطفال من سعال مزمن وضيق في التنفس، في ظل نقص الأدوية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية اللازمة.
أمراض مزمنة وأوبئة
ولا تقتصر المعاناة على الأطفال، إذ يواجه مرضى السكري من النازحين أوضاعا بالغة الخطورة نتيجة انقطاع الأدوية المزمنة التي يعتمدون عليها يوميا، ووفق المعلومات المتوفرة، اضطر أحد المهجرين المقيمين في أحد مراكز الإيواء إلى بتر أصابعه داخل أحد مشافي القامشلي، بعد تفاقم حالته الصحية بسبب غياب العلاج والتعرض المستمر للبرد القارس، في واقعة تلخص قسوة الواقع الذي يعيشه المرضى المزمنون.
ومع تردي الظروف الصحية والبيئية، بدأت أمراض أخرى بالظهور داخل مراكز الإيواء، وأكدت مصادر محلية تسجيل إصابات بمرض اللاشمانيا بين المدنيين، إضافة إلى رصد أمراض نسائية بين عدد من النساء، ناجمة عن تلوث المياه وعدم توفر مستلزمات النظافة الشخصية، وصعوبة تبديل الملابس بشكل منتظم، في بيئة مكتظة تفتقر إلى الخصوصية والرعاية.
إمكانات محلية عاجزة
إلى جانب القامشلي، توزعت أعداد أخرى من المهجرين في الأرياف الشمالية وبعض المدن في شمال سوريا، في محاولة لتخفيف الضغط عن مراكز الإيواء المكتظة، غير أن هذه الخطوة لم تخفف من حجم المأساة، إذ تواجه المناطق المستضيفة بدورها نقصا في الموارد والخدمات، ما يجعل القدرة على الاستجابة الإنسانية محدودة للغاية.
يحاول عدد من الفاعلين المدنيين والأهالي تقديم ما يستطيعون من مساعدات غذائية وطبية، إلا أن حجم الكارثة يفوق بكثير إمكانياتهم المحلية، ونقلت إحدى الناشطات للمرصد السوري لحقوق الإنسان أن الوضع خرج عن السيطرة، مؤكدة أن الاستجابة الحالية لا تتناسب مع حجم الاحتياجات، ومحذرة من مخاطر حقيقية لتفشي الأمراض في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه دون تدخل إنساني منظم.
شهادات من قلب الألم
تحمل شهادات المهجرين أبعادا إنسانية تتجاوز الأرقام، إذ قالت مهجرة من عفرين إن تهجيرها هذه المرة جاء مصحوبا بفقدان الأمل بمعنى الوطن، مؤكدة أنها فقدت منزلها في عفرين، وتتنقل اليوم من خيمة إلى أخرى، دون أي شعور بالاستقرار، وأضافت أنها تخشى أن يكون هذا التهجير حلقة جديدة في سلسلة لا تنتهي، في ظل شعورها بأنها مستهدفة، وعدم ثقتها بالجهات الحاكمة.
من جانبه، حذر أحد المهجرين المقيمين في أحد مراكز الإيواء بالقامشلي من سيناريو أكثر خطورة، قائلا إن أي اجتياح جديد للمناطق الكردية المتبقية سيقود إلى كارثة إنسانية كبرى وهجرة مليونية نحو دول الجوار، وأعرب عن عدم ثقته بالفصائل التابعة للحكومة الانتقالية، مشيرا إلى ما يراه من انتهاكات يومية تزيد من مخاوف الأهالي وتدفعهم إلى الاستعداد للأسوأ.
مطالب بوقف العنف
في ظل هذا المشهد القاتم، يجدد المرصد السوري لحقوق الإنسان مطالبته جميع أطراف النزاع في سوريا بوقف العنف وإطلاق النار، تفاديا لانزلاق الأوضاع نحو كوارث إنسانية أوسع يصعب احتواؤها لاحقا، ويؤكد المرصد أن حماية المدنيين وتأمين احتياجاتهم الأساسية يجب أن تكون أولوية قصوى، بعيدا عن الحسابات العسكرية والسياسية.
تشهد مناطق شمال وشرق سوريا منذ سنوات موجات متكررة من التهجير القسري، نتيجة الصراع المسلح وتبدل خطوط السيطرة، ما أدى إلى إنهاك المجتمعات المحلية واستنزاف قدراتها على الاستجابة، وتعد محافظة الحسكة من أكثر المناطق تأثرا بهذه التحولات، نظرا لموقعها الجغرافي وتداخل القوى العسكرية فيها، ومع تصاعد الاشتباكات في ريف الرقة ومناطق أخرى، تتجدد موجات التهجير دون وجود خطط إنسانية مستدامة، في وقت تعاني فيه المنظمات الإغاثية من نقص التمويل وصعوبات الوصول، ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار هذا الواقع إلى انفجار إنساني أوسع، يهدد الاستقرار الاجتماعي ويضاعف معاناة مئات الآلاف من المدنيين الذين أنهكتهم سنوات طويلة من الحرب والتهجير المتكرر.











