4 سنوات من الحرب في أوكرانيا والصراع يدخل عامه الخامس بلا حسم
أزمات إنسانية وخسائر فادحة
تمر اليوم 4 سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، ويدخل الصراع عامه الخامس دون أفق واضح لنهاية قريبة، رغم الجهود الدولية المتكررة، خاصة من الولايات المتحدة، للدفع نحو تسوية سياسية تنهي واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في أوروبا منذ عقود.
وبحسب ما نقلته شبكة "سي إن إن" الثلاثاء، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده نجحت في الحفاظ على استقلالها رغم شدة الحرب، مشدداً على أن روسيا لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، في وقت تتواصل فيه الضغوط الدولية لإيجاد مخرج سياسي ينهي النزاع.
رسائل كييف في الذكرى الرابعة
في كلمة بثها التلفزيون، قال زيلينسكي إن بلاده لم تفقد دولتها ولم تنكسر إرادة شعبها، مؤكداً أن أوكرانيا ستبذل كل ما في وسعها لتحقيق سلام قوي ودائم وعادل.
وأضاف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فشل في كسر شوكة الأوكرانيين أو تحقيق نصر حاسم، مشيراً إلى أن بلاده ما زالت تقاتل من أجل تثبيت سيادتها وضمان مستقبلها.
كما وجّه زيلينسكي رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مطالباً بمواصلة دعم واشنطن لكييف، معتبراً أن الضغط الحالي على موسكو غير كافٍ لإنهاء الحرب.
بداية الحرب وتحولاتها الكبرى
اندلعت الحرب في 24 فبراير 2022 عندما أطلقت روسيا عملية عسكرية واسعة النطاق داخل الأراضي الأوكرانية، بعد سنوات من التوترات التي تعود جذورها إلى 2014 مع ضم شبه جزيرة القرم واندلاع النزاع في شرق أوكرانيا.
في الأسابيع الأولى، تقدمت القوات الروسية بسرعة نحو العاصمة كييف، في محاولة لإسقاط الحكومة الأوكرانية، إلا أن المقاومة الشرسة والدعم الغربي الكبير حالاُ دون تحقيق هذا الهدف، لتتحول الحرب سريعاً إلى صراع طويل الأمد.
مع منتصف 2022 بدأت أوكرانيا هجمات مضادة ناجحة، خاصة في مناطق خاركيف وخيرسون، ما أعاد رسم خطوط المواجهة وأثبت قدرة كييف على استعادة أراضٍ فقدتها في بداية الحرب.
حرب استنزاف وتبدل موازين
خلال 2023 و2024 دخلت الحرب مرحلة استنزاف قاسية، حيث تركز القتال في شرق وجنوب أوكرانيا، خاصة في دونيتسك ولوغانسك، مع معارك طويلة ودامية دون تغييرات حاسمة في خطوط السيطرة.
اعتمدت روسيا على تفوقها العددي والعسكري، في حين راهنت أوكرانيا على الدعم الغربي المتواصل، سواء من حيث التسليح أو التدريب أو المساعدات الاقتصادية.
وفي هذه المرحلة، تصاعدت الضربات الجوية والصاروخية، واستهدفت البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، ما أدى إلى أزمات إنسانية واسعة، خاصة خلال فصل الشتاء.
الدور الأمريكي وتعقيدات السلام
برزت الولايات المتحدة بوصفها أحد أبرز الداعمين لأوكرانيا منذ بداية الحرب، حيث قدمت مساعدات عسكرية ومالية ضخمة، وسعت في الوقت نفسه إلى دفع مسار تفاوضي لإنهاء النزاع.
لكن هذه الجهود اصطدمت بعقبات عدة، منها الخلافات حول الضمانات الأمنية، وتسلسل خطوات السلام، وشروط كل طرف لإنهاء الحرب.
وأشار زيلينسكي إلى وجود تباينات بشأن كيفية ضمان أمن أوكرانيا مستقبلاً، خاصة في حال تكرار أي هجوم روسي، مؤكداً ضرورة موافقة الكونغرس الأمريكي على أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
محطات بارزة في مسار الحرب
شهدت الحرب منذ اندلاعها عدداً من المحطات المفصلية التي أعادت تشكيل مسارها، منها فشل الهجوم الروسي على كييف في ربيع 2022، والانسحاب الروسي من شمال أوكرانيا.
كما شكلت الهجمات المضادة الأوكرانية في خريف 2022 نقطة تحول مهمة، حيث استعادت كييف مساحات واسعة من الأراضي، في حين مثّلت معركة باخموت واحدة من أطول وأعنف المواجهات خلال 2023.
وفي 2024 استمر الجمود العسكري النسبي، مع استمرار القتال على جبهات متعددة دون حسم، ما عزز من طبيعة الحرب بوصفه صراعاً طويل الأمد.
كلفة إنسانية واقتصادية باهظة
خلّفت الحرب خسائر بشرية كبيرة، مع سقوط آلاف القتلى والجرحى من الجانبين، إضافة إلى نزوح ملايين الأوكرانيين داخلياً وخارجياً، كما تسببت في دمار واسع للبنية التحتية، وأثرت في الاقتصاد العالمي، خاصة في مجالات الطاقة والغذاء، حيث تعد أوكرانيا من أكبر مصدري الحبوب في العالم.
وأدت الحرب أيضاً إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية، مع تصاعد التوتر بين روسيا والغرب، وفرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على موسكو.
وخلَّفت الحرب في أوكرانيا نحو مليوني ضحية من العسكريين الروس والأوكرانيين بين قتلى وجرحى ومفقودين، وحسب دراسة حديثة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الأمريكي. ورغم أن روسيا تتكتم على خسائرها، لكن المركز رصد أن عدد القتلى الروس بلغ 325 ألفاً منذ اندلاع الحرب، وبلغ إجمالي عدد ضحاياها مليوناً و200 ألف، بين قتيل وجريح ومفقود، إلا أن موسكو اعتبرت الأرقام غير دقيقة ومبالغ جداً فيها، وأشار المركز إلى أن أي قوة عظمى لم تتكبد هذا العدد من القتلى والجرحى في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية، لافتاً إلى أن القوات الروسية تتقدم ببطء ملحوظ في الميدان.
وتكبّدت كييف أيضاً خسائر فادحة، فقد أسفر النزاع عن تسجيل ما بين 500 ألف و600 ألف ضحية، منهم ما بين 100 ألف و140 ألف قتيل، بين فبراير 2022 وديسمبر 2025، حسب مركز الأبحاث.
ولم تقتصر الخسائر الأوكرانية على الجانب البشري، علماً بأن كييف تواجه أزمة حادة في هذا المجال؛ بسبب الفارق الكبير في التعداد السكاني وقدرات التجنيد والزج بمقاتلين جدد في ساحات المعركة. والمقارنة هنا واضحة بنسبة 3 مقابل واحد، وكانت أبرز النتائج المباشرة الأخرى سيطرة روسيا على نحو 20 من مساحة أوكرانيا، وتشريد ملايين الأوكرانيين، كما تسببت الحرب في أزمات غذائية عالمية، وعقوبات غربية غير مسبوقة على روسيا، ودمار واسع في البنية التحتية، وتحول جيوسياسي جذري في أوروبا.
تحذير أممي في الذكرى الرابعة
مع مرور 4 سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، جدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تحذيراته من تداعيات الصراع المستمر، مؤكداً أن الغزو الروسي يمثل انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
وبحسب بيان رسمي صادر عن الأمم المتحدة، وصف غوتيريش الحرب بأنها وصمة على الضمير العالمي، مشيراً إلى أنها لا تزال تشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي، في ظل غياب أي مؤشرات على قرب التوصل إلى حل نهائي.
وأكد غوتيريش أن استمرار الحرب يؤدي إلى تفاقم الخسائر البشرية، موضحاً أن عام 2025 شهد أعلى عدد من الضحايا المدنيين منذ اندلاع النزاع، وهو ما يعكس خطورة الوضع الإنساني المتدهور.
وأشار إلى أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر لهذا الصراع، في ظل القصف المستمر وتدمير البنية التحتية، ما يجعل الأوضاع أكثر تعقيداً مع مرور الوقت.
دعوة لوقف إطلاق النار
وجدد الأمين العام دعوته إلى وقف فوري وكامل وغير مشروط لإطلاق النار، باعتباره خطوة أساسية نحو التوصل إلى سلام عادل ودائم وشامل، وشدد على أن أي تسوية يجب أن تستند إلى مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مع ضرورة احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها واستقلالها.
كما أكد استعداد الأمم المتحدة لدعم جميع الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، في إطار مساعٍ دبلوماسية متواصلة لاحتواء الصراع.
تكلفة إعادة الإعمار والتعافي
قدَّر التقييم المشترك المُحدَّث للأضرار والاحتياجات السريعة (RDNA5)، الصادر عن حكومة أوكرانيا ومجموعة البنك الدولي والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة، أن التكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار والتعافي في أوكرانيا، حتى 31 ديسمبر 2025، تبلغ حوالي 588 مليار دولار (أكثر من 500 مليار يورو) على مدى العقد المقبل، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المُقدَّر لأوكرانيا لعام 2025.
ووفقًا للتقييم، تتخذ حكومة أوكرانيا، بدعم من شركاء التنمية، خطوات جادة لتلبية أولويات التعافي وإعادة الإعمار لعام 2026، بما في ذلك مشروعات الاستثمار العام وبرامج دعم التعافي الأساسية، مثل تمويل المساكن المدمرة وإزالة الألغام وبرامج الدعم الاقتصادي متعددة القطاعات، بإجمالي يزيد على 15 مليار دولار.
وبالإضافة إلى ذلك، ووفقًا للمعلومات المتاحة التي جُمعت في إطار تقييم RDNA، تمت تلبية احتياجات بقيمة لا تقل عن 20 مليار دولار منذ فبراير 2022 من خلال عمليات إصلاح عاجلة وأنشطة إنعاش مبكرة في قطاعات الإسكان والطاقة والتعليم والنقل وغيرها من القطاعات الحيوية.
وقالت رئيسة وزراء أوكرانيا يوليا سفيريدينكو إنه بعد أربع سنوات من العمليات العسكرية الروسية، تُقدّر التكلفة الإجمالية لإعادة إعمار أوكرانيا وإنعاشها بنحو 588 مليار دولار على مدى العقد المقبل، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المتوقع للبلاد لعام 2025.
وذكر التقرير أن الأضرار المباشرة في أوكرانيا تجاوزت 195 مليار دولار (166 مليار يورو)، مقارنةً بـ 176 مليار دولار (150 مليار يورو) في التقرير الرابع لتقييم الأضرار في فبراير 2025، حيث كانت قطاعات الإسكان والنقل والطاقة الأكثر تضررًا، ولا تزال الأضرار والخسائر والاحتياجات تتركز في المناطق الحدودية والمناطق الحضرية الرئيسية.
مستقبل غامض للصراع
مع دخول الحرب عامها الخامس، لا تزال آفاق الحل السياسي غير واضحة، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه الأساسية، واستمرار العمليات العسكرية على الأرض.
ورغم الدعوات الدولية المتكررة لوقف إطلاق النار، فإن غياب الثقة بين الأطراف، وتعقيد الملفات المرتبطة بالسيادة والأمن، يجعل الوصول إلى اتفاق شامل أمراً صعباً في المدى القريب.
وفي هذا السياق، تبدو الحرب مرشحة للاستمرار، ما لم تحدث تحولات كبرى على الصعيدين العسكري أو السياسي تدفع الأطراف نحو تسوية نهائية.
تعد الحرب في أوكرانيا امتداداً لصراع جيوسياسي أوسع بين روسيا والغرب، حيث ترى موسكو أن توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، في حين تؤكد أوكرانيا وحلفاؤها حقها في اختيار تحالفاتها السياسية والعسكرية.
ومنذ 2014 تصاعدت حدة التوتر بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودعمها جماعات انفصالية في شرق أوكرانيا، ما مهد الطريق لانفجار الصراع بشكل واسع في 2022.
وتشكل هذه الحرب اليوم أحد أبرز التحديات للنظام الدولي، إذ تعيد طرح أسئلة جوهرية حول توازن القوى، وسيادة الدول، ومستقبل الأمن الأوروبي، في ظل استمرار المواجهة دون حسم واضح حتى الآن.











