وسط غياب الحلول.. ألغام الحرب تواصل حصد أرواح الأطفال في سوريا

وسط غياب الحلول.. ألغام الحرب تواصل حصد أرواح الأطفال في سوريا
منطقة ألغام ومخلفات حربية

رغم انحسار العمليات العسكرية في عدد من المناطق السورية، لا تزال مخلفات الحرب تحصد أرواح المدنيين وتترك جراحاً عميقة في حياة العائلات، خاصة الأطفال الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الألغام والصواريخ غير المنفجرة المنتشرة في الحقول والمراعي وبين المنازل، وتحولت هذه المخلفات التي يفترض أن تكون بقايا صراع انتهى في كثير من الجبهات، إلى تهديد يومي دائم، يحرم السكان من الشعور بالأمان ويحول أبسط أنشطة الحياة إلى مغامرة محفوفة بالموت.

بحسب ما وثقه المرصد السوري لحقوق الإنسان ونشره اليوم الاثنين، فإن الأيام الأخيرة شهدت حوادث دامية جديدة ناجمة عن انفجار مخلفات الحرب، في مؤشر مقلق على استمرار الخطر واتساع رقعته، ويؤكد المرصد أن هذه الانفجارات ليست حوادث معزولة، بل نتيجة مباشرة لغياب عمليات التطهير الشاملة وتقاعس الجهات المعنية عن إزالة الألغام والأجسام المتفجرة من المناطق المأهولة بالسكان.

أطفال في مواجهة الموت

في ريف حمص الشرقي، وتحديداً في منطقة بساتين الطيبة الغربية شمال السخنة، تحولت لحظة رعي أغنام عادية إلى مأساة إنسانية قاسية، فقد أدى انفجار صاروخ من مخلفات الحرب إلى استشهاد طفلين على الفور، في حين أصيب طفل ثالث بجروح بالغة نقل على إثرها إلى العناية المشددة، في مشهد يلخص حجم الخطر الذي يواجهه الأطفال في المناطق الريفية المفتوحة، حيث تنتشر بقايا الذخائر دون أي علامات تحذير أو إجراءات وقائية.

وفي حادثة أخرى لا تقل مأساوية، استشهد شاب في محافظة الرقة إثر انفجار لغم أرضي من مخلفات الحرب أثناء عمله في الأراضي الزراعية بمنطقة الرصافة التابعة لبلدة المنصورة في ريف الرقة، وسقط الشاب الذي خرج إلى أرضه لكسب رزقه، ضحية لغم مدفون منذ سنوات، ليفارق الحياة على الفور، ويترك خلفه عائلة جديدة تضاف إلى سجل الفقدان الطويل.

أرقام تكشف حجم الكارثة

هذه الحوادث الأخيرة رفعت حصيلة الضحايا المدنيين نتيجة انفجار مخلفات الحرب منذ بداية العام 2026 إلى 8 أشخاص، بينهم 5 أطفال وامرأة واحدة ورجلان، كما أصيب 12 مدنياً بجروح متفاوتة الخطورة، بينهم 10 أطفال وامرأة واحدة ورجلان، وهذه الأرقام، رغم محدوديتها الظاهرية، تعكس واقعاً خطِراً، إذ إن معظم الضحايا يسقطون في مناطق يفترض أنها بعيدة عن خطوط التماس العسكرية.

في مناطق سيطرة حكومة دمشق سُجل استشهاد 8 مدنيين، بينهم 5 أطفال وسيدة واحدة ورجلان، إضافة إلى إصابة 10 أشخاص بجروح بينهم 7 أطفال و3 رجال، أما في مناطق الإدارة الذاتية، فلم تسجل وفيات حتى الآن، لكن جرى توثيق إصابة 2 بجروح، هما سيدة وطفل، ورغم هذا التفاوت الجغرافي، يبقى القاسم المشترك هو انتشار مخلفات الحرب وغياب برامج التطهير الشامل.

تحذيرات متكررة بلا استجابة

يجدد المرصد السوري لحقوق الإنسان تحذيراته من استمرار وجود الألغام والذخائر غير المنفجرة بين منازل المدنيين وفي الأراضي الزراعية والمراعي، مؤكداً أن هذا الخطر لا يميز بين طفل وراشد، ولا بين منطقة وأخرى، ويشدد المرصد على أن استمرار الصمت والتقاعس يعني حتماً وقوع المزيد من الضحايا، خاصة مع عودة الأهالي إلى أراضيهم ومنازلهم سعياً لاستعادة حياتهم الطبيعية.

تشير الوقائع الميدانية إلى أن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للإصابة، سواء أثناء اللعب أو رعي المواشي أو مرافقة ذويهم إلى الحقول، ففضول الطفولة، إلى جانب غياب التوعية الكافية، يجعل من الأجسام الغريبة قنابل موقوتة في أيدي الصغار، وفي كثير من الحالات، لا يملك الأهل أي معرفة مسبقة بمواقع الخطر، ما يجعل الحوادث تأتي فجائية وقاسية.

دعوات للتدخل الدولي

في ضوء هذا الواقع، طالب المرصد السوري لحقوق الإنسان المنظمات الدولية والإنسانية بالتدخل الفوري لتطهير المناطق الملوثة بمخلفات الحرب، ووضع برامج توعية شاملة تستهدف السكان المحليين، ولا سيما الأطفال، كما يدعو إلى دعم فرق إزالة الألغام بالإمكانات التقنية واللوجستية اللازمة، وتسريع عمليات المسح الميداني لتحديد مواقع الخطر قبل أن تتحول إلى قبور جديدة.

حياة معلقة بين الخوف والانتظار

بالنسبة لآلاف العائلات السورية، لم تنتهِ الحرب بعد، حتى وإن خفتت أصوات القصف، فالألغام والصواريخ غير المنفجرة لا تزال تحاصر تفاصيل الحياة اليومية، وتزرع الخوف في كل خطوة داخل الحقول والطرقات الفرعية، وهذا الواقع يحرم السكان من استثمار أراضيهم بأمان، ويجبر كثيرين على العيش في حالة قلق دائم.

تعد مخلفات الحرب في سوريا من أخطر التحديات الإنسانية التي خلفها النزاع المستمر منذ أكثر من عقد، إذ تنتشر الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة في مساحات واسعة من البلاد، خصوصاً في الأرياف والمناطق التي شهدت معارك طويلة، ووفق تقارير حقوقية وإنسانية، فإن عمليات إزالة هذه المخلفات ما تزال محدودة وبطيئة، بسبب نقص التمويل وتعقيدات الوصول الأمني، وفي ظل عودة تدريجية للمدنيين إلى مناطقهم، يتضاعف خطر هذه الأجسام القاتلة، ما يجعل ملف إزالة الألغام أولوية إنسانية ملحة لا تحتمل التأجيل، حفاظاً على أرواح المدنيين وحقهم في العيش بأمان بعد سنوات طويلة من الحرب والمعاناة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية