فقر يتسع.. إقصاء النساء في أفغانستان يكلف الاقتصاد أكثر من مليار دولار سنوياً

فقر يتسع.. إقصاء النساء في أفغانستان يكلف الاقتصاد أكثر من مليار دولار سنوياً
نساء أفغانيات

منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، تتجه الأوضاع المعيشية في أفغانستان نحو مزيد من التدهور، وسط اتساع رقعة الفقر والحرمان وتراجع فرص العمل والخدمات الأساسية، وتشير تقارير دولية حديثة إلى أن ملايين الأسر تكافح يومياً لتأمين الغذاء والرعاية الصحية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية التي تعصف بالبلاد وتضع مستقبلها الاجتماعي والاقتصادي على المحك.

تقرير أممي يرسم صورة قاتمة

ونقلت وكالة أنباء المرأة الخميس أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أصدر تقريراً حديثاً أكد فيه أن أكثر من 75% من سكان أفغانستان يعانون من انعدام شديد في الأمن المعيشي، في مؤشر خطير على حجم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت منذ عودة طالبان إلى الحكم.

النساء في قلب الأزمة

ويظهر التقرير أن التدهور المعيشي يطول مختلف فئات المجتمع، لكنه يتركز بشكل أكبر بين النساء والأسر التي تعيلها نساء، في ظل القيود المفروضة على التعليم والعمل، فمشاركة النساء في سوق العمل لا تجاوز 7%، وهي من أدنى النسب عالمياً، في حين تعاني 88% من الأسر التي تعيلها نساء من حرمان حاد من الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والسكن اللائق.

ويعني ذلك أن الغالبية الساحقة من هذه الأسر تعيش تحت ضغط يومي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، في وقت تتقلص فيه فرص العمل وتتراجع المساعدات الدولية.

قيود التعليم والعمل

ويربط التقرير بين تفاقم الأزمة الاقتصادية في أفغانستان والسياسات التي اتبعتها حركة طالبان منذ أغسطس 2021، والتي شملت منع الفتيات والنساء من متابعة التعليم في المراحل العليا، إضافة إلى حرمانهن من العمل في قطاعات واسعة، منها منظمات المجتمع المدني وعدد من المؤسسات الدولية.

ولا يقتصر تأثير هذه السياسات على الجوانب الحقوقية والاجتماعية، بل يمتد إلى صميم الاقتصاد الوطني، إذ يؤدي إقصاء النساء من سوق العمل إلى تقليص حجم القوى العاملة وارتفاع معدلات الفقر، ما يضعف القدرة الإنتاجية للبلاد ويحد من فرص التعافي.

خسائر اقتصادية بمليار دولار سنوياً

وتؤكد تقديرات مجلس الأمن الدولي في تقرير صدر في ديسمبر 2025 أن القيود المفروضة على النساء تكلف الاقتصاد الأفغاني أكثر من مليار دولار سنوياً، نتيجة استبعاد نصف المجتمع من المشاركة الفاعلة في الإنتاج والتنمية.

كما يصف التقرير أوضاع النساء والفتيات بأنها وخيمة، مشيراً إلى أن 8 من كل 10 نساء محرومات من حق التعليم والعمل والتدريب المهني، وهو ما يعمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

حلقة مفرغة من التدهور

ويرى مراقبون أن أفغانستان دخلت في حلقة مفرغة يصعب كسرها في ظل الظروف الحالية. فغياب التعليم يقلص فرص العمل في المستقبل، وغياب العمل يزيد معدلات الفقر، في حين يؤدي الفقر إلى تراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الغذاء والعلاج والسكن.

وتتفاقم هذه الأزمة في بلد يعتمد جزء كبير من سكانه على المساعدات الدولية التي تراجعت بدورها خلال السنوات الأخيرة نتيجة التوترات السياسية والاقتصادية.

الاقتصاد تحت ضغط العزلة

ويعاني الاقتصاد الأفغاني منذ 2021 من مجموعة أزمات متداخلة، أبرزها تجميد أصول خارجية، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وانكماش المساعدات الدولية، ما أدى إلى انكماش النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر في أفغانستان.

وفي ظل هذا الوضع، يشدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أن أي تعافٍ اقتصادي مستدام لن يكون ممكناً دون رفع القيود المفروضة على النساء، وإعادة دمجهن في الحياة الاقتصادية والتعليمية، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار والتنمية.

دعوات لرفع القيود واستمرار الدعم

ويؤكد التقرير أن معالجة الأزمة تتطلب سياسات أكثر انفتاحاً تسمح للنساء بالعودة إلى التعليم والعمل، إلى جانب استمرار الدعم الدولي للفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الأسر التي تعيلها نساء.

ويرى خبراء أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى مزيد من التراجع الاقتصادي والاجتماعي، وقد يترك آثاراً طويلة الأمد على بنية المجتمع الأفغاني، خاصة في ظل حرمان أجيال كاملة من فرص التعليم والتأهيل.

مستقبل معلّق على نصف المجتمع

ويظل مستقبل أفغانستان مرهوناً بقدرتها على الاستفادة من كامل طاقاتها البشرية، غير أن استمرار إقصاء النساء من التعليم والعمل يهدد بتعميق الفجوة الاقتصادية والاجتماعية، ويضع البلاد أمام تحديات تنموية وإنسانية قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.

وفي ظل هذه المؤشرات القاتمة، تبدو أفغانستان أمام مفترق طرق حاسم، حيث سيحدد مسار السياسات الاجتماعية والاقتصادية في السنوات المقبلة ما إذا كانت البلاد قادرة على الخروج من دائرة الفقر والعزلة، أم ستواصل الانحدار نحو مزيد من الأزمات.

شهدت أفغانستان تحولاً سياسياً كبيراً في أغسطس 2021 بعد انسحاب القوات الأجنبية وسيطرة حركة طالبان على الحكم. ومنذ ذلك الحين فرضت الحركة سلسلة من القيود على النساء والفتيات، شملت حظر التعليم الثانوي والجامعي، ومنع العمل في قطاعات واسعة، هذه الإجراءات تزامنت مع تراجع حاد في المساعدات الدولية وتجميد أصول مالية أفغانية في الخارج، ما أدى إلى انهيار جزء كبير من الاقتصاد المحلي وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتشير تقديرات أممية إلى أن الملايين من الأفغان يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء، في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ عقود.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية