رمضان خلف الأسوار.. معاناة الأسرى الفلسطينيين تتفاقم بين الجوع وتقييد الشعائر
رمضان خلف الأسوار.. معاناة الأسرى الفلسطينيين تتفاقم بين الجوع وتقييد الشعائر
داخل جدران السجون الإسرائيلية، يكتسب شهر رمضان بعداً مختلفاً لدى آلاف الأسرى الفلسطينيين، حيث تختلط الشعائر الدينية بمعاناة يومية تتجاوز الحرمان من الحرية إلى قيود تمس تفاصيل الحياة الأساسية، في هذا السياق، تبرز شهادات ميدانية، منها رواية الأسير المحرر الصحفي محمد قاعود، لتقدم صورة إنسانية قاسية عن واقع الصيام خلف القضبان، حيث يتحول الشهر الذي يرتبط بالروحانية والتكافل إلى تجربة مركبة من القمع والتجويع والعزل.
أجواء رمضانية تحت القيد
تبدأ ملامح الاستعداد داخل السجون الإسرائيلية لشهر رمضان منذ أواخر شعبان، حيث يحاول الأسرى استحضار الأجواء التي عاشوها خارج المعتقل، يتبادلون الذكريات عن موائد الإفطار ولم الشمل العائلي، ويكثفون من العبادات الفردية مثل تلاوة القرآن. غير أن هذه الأجواء سرعان ما تتحول إلى عبء نفسي، إذ تتصاعد مشاعر الحنين في مقابل واقع العزلة، ما يخلق حالة من الصراع الداخلي بين الإيمان والحرمان.
وتشير شهادات الأسرى إلى أن الأنشطة الجماعية المرتبطة برمضان، مثل الصلاة المشتركة والدروس الدينية، تخضع لقيود صارمة، حيث تمنع إدارات السجون الإسرائيلية أي تجمعات، ما يدفع الأسرى إلى ممارسة شعائرهم بشكل سري تجنباً للعقوبات.
التجويع بوصفه سياسة
في قلب المعاناة يبرز ملف التغذية بوصفه أحد أبرز مظاهر الانتهاك خلال شهر رمضان، ووفقاً لشهادة قاعود، تتعمد قوات السجون تقليص كميات الطعام أو مصادرته، بل وإتلافه أحياناً قبيل موعد الإفطار، وهذا الواقع يدفع بعض الأسرى إلى مواصلة الصيام دون وجبة إفطار، مكتفين بالماء فقط، وهو ما يعكس، بحسب منظمات حقوقية، نمطاً من المعاملة التي قد ترقى إلى مستوى العقوبات الجماعية.
وتوثق تقارير صادرة عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين أن الأسرى يواجهون منذ سنوات سياسات غذائية غير كافية، تتفاقم خلال شهر رمضان، حيث لا تتناسب الوجبات المقدمة مع الاحتياجات الصحية، خاصة لمن يعانون أمراضاً مزمنة.
العزل وفقدان الإحساس بالزمن
داخل بعض مراكز الاحتجاز، مثل سجن سديه تيمان، تتخذ المعاناة شكلاً أكثر حدة، ويصف الأسرى ظروفاً تؤدي إلى فقدان الإحساس بالوقت، حيث تغيب المؤشرات الزمنية، ويمنع المعتقلون من معرفة مواعيد الإمساك والإفطار. هذا الحرمان لا يقتصر على الجانب التنظيمي للصيام، بل يمتد ليشكل ضغطاً نفسياً ودينياً، خاصة عندما يتم إدخال وجبات السحور بعد موعدها، ما يضع الأسرى في حرج ديني.
كما تشير الشهادات إلى أن أوضاع الاحتجاز تشمل التقييد المستمر، والعزل، وإجبار الأسرى على أوضاع جسدية مرهقة لفترات طويلة، في ظل رقابة دائمة بالكاميرات، ما يحد من أي هامش للحركة أو ممارسة الشعائر.
تقييد الشعائر الدينية
من أبرز ملامح المعاناة خلال رمضان القيود المفروضة على الممارسات الدينية، تفيد الشهادات بمنع الصلاة الجماعية وصلاة الجمعة، إضافة إلى التضييق على الوضوء والعبادات الفردية، وفي بعض الحالات، يتم رصد الأسرى عبر الكاميرات ومعاقبتهم على أداء الصلاة، ما يدفعهم إلى ممارستها بشكل خفي.
وتعكس حادثة تعرض أحد الأسرى للعقاب بسبب سجوده لثوانٍ معدودة حجم القيود المفروضة، حيث تعرض للاعتداء والإهانة، في واقعة تسلط الضوء على التداخل بين الممارسات الأمنية والحقوق الدينية.
وتشير تقديرات مؤسسات فلسطينية إلى وجود نحو 9500 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، بينهم مئات المعتقلين الإداريين الذين يحتجزون دون محاكمة، وقد شهدت أعداد المعتقلين ارتفاعاً ملحوظاً بعد أحداث 7 أكتوبر، في ظل حملات اعتقال واسعة.
تاريخياً، شكلت قضية الأسرى أحد أبرز ملفات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث وثقت منظمات حقوقية على مدار عقود أنماطاً متكررة من الانتهاكات، تشمل الاعتقال الإداري، وسوء المعاملة، وقيود الزيارة، والإهمال الطبي.
الموقف الحقوقي والدولي
أثارت هذه الأوضاع ردود فعل من منظمات حقوقية دولية، حيث أكدت منظمة العفو الدولية أن القيود المفروضة على الأسرى، ومنها تقليص الغذاء ومنع الممارسات الدينية، تثير مخاوف جدية بشأن احترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما دعت إلى ضمان معاملة إنسانية للأسرى، خاصة خلال الفترات الدينية الحساسة.
من جانبها، أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن بعض الممارسات داخل السجون قد تنتهك اتفاقيات دولية، منها اتفاقيات جنيف التي تنص على ضرورة احترام كرامة المحتجزين وضمان احتياجاتهم الأساسية، ومنها الغذاء والرعاية الصحية وحرية العبادة.
كما تؤكد تقارير صادرة عن الأمم المتحدة أن حرمان المحتجزين من ممارسة شعائرهم الدينية أو تعريضهم لمعاملة مهينة يمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي، داعية إلى فتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات الموثقة.
تداعيات إنسانية ممتدة
لا تقتصر آثار هذه السياسات في الجانب الجسدي، بل تمتد إلى أبعاد نفسية عميقة، حيث يعاني الأسرى من ضغوط مستمرة نتيجة العزل والحرمان، تتفاقم خلال شهر رمضان الذي يرتبط عادة بالروابط الاجتماعية والدعم الأسري.
كما تنعكس هذه الأوضاع على عائلات الأسرى التي تعيش حالة من القلق المستمر، خاصة في ظل القيود المفروضة على الزيارات وغياب المعلومات الدقيقة حول أوضاع أبنائها.
بين الواقع والقانون
تسلط معاناة الأسرى خلال شهر رمضان الضوء على فجوة قائمة بين النصوص القانونية الدولية والتطبيق على الأرض. فبينما تنص القوانين على حماية حقوق المحتجزين، تشير الوقائع إلى استمرار تحديات كبيرة في ضمان هذه الحقوق.
في ظل هذا الواقع، تبقى قضية الأسرى واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيداً، حيث تتداخل الأبعاد السياسية والقانونية مع المعاناة اليومية، لتشكل صورة مركبة تتجدد كل عام مع حلول شهر رمضان، داخل زنازين تفتقد إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية.











