الاقتصاد في مرمى الصراعات.. موجة تضخم عالمية تُغذيها حرب الشرق الأوسط
الاقتصاد في مرمى الصراعات.. موجة تضخم عالمية تُغذيها حرب الشرق الأوسط
أدت الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى اضطرابات غير مسبوقة في الاقتصاد العالمي، حيث امتدت تبعاتها إلى الأسواق المالية، وأسعار الطاقة، وسلاسل التجارة الدولية، والأمن الغذائي العالمي، ما أثار مخاوف واسعة بين صناع القرار الدولي والمجتمعات المدنية.
دخلت الأسواق العالمية حالة من الاضطراب في ظل تصاعد وتيرة العنف، ما أدى إلى تقلبات حادة في أسواق الأسهم، وارتفاع معدلات التضخم في العديد من الاقتصادات الكبرى والناشئة، وضعف الآفاق الاقتصادية في دول كانت على طريق التعافي بعد جائحة كورونا وأزمات سلاسل الإمداد المستمرة وفق تقارير صندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة
أحد أهم آثار الحرب في الشرق الأوسط كان التأثير الحاد والمباشر في أسعار الطاقة، إذ يشكل الشرق الأوسط حوالي ثلث إنتاج النفط العالمي، ما يجعل أي تصعيد عسكري في المنطقة ينعكس سريعًا على أسواق النفط والغاز.
سجّلت أسعار النفط ارتفاعًا حادًا في الأسواق الدولية، مع تجاوز أسعار خام برنت مستوى 80 دولار للبرميل وسط مخاوف من أن تتجاوز 100 دولار للبرميل، في حين ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا بنسب قياسية نتيجة مخاطر اضطراب الإمدادات.
تسبّب هذا الارتفاع في زيادة تكاليف النقل والطاقة للصناعات في مختلف أنحاء العالم، وهو ما دفع قطاع النقل البحري إلى إعادة توجيه شحنات باستخدام طرق طولى وأكثر تكلفة لتجنّب المناطق الساخنة، ما أثر بشكل مباشر في تكلفة الوقود والتأمين بحسب تقارير وكالة الطاقة الدولية، وبيانات منظمة الدول المصدرة للبترول (OPEC).
وتتصدر ورقة إغلاق مضيق هرمز المشهد الحالي باعتبارها إحدى أبرز أدوات الضغط الإيرانية؛ نظرًا لثقلها في معادلة الطاقة العالمية، حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني عن استهداف العديد من السفن بينها حاملة نفط، بعد رفضها الاستجابة للتحذير والإعلان الصادر بإغلاق المضيق، بحسب ما ذكرت وكالة "رويترز".
ويقع المضيق بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج العربي شمالًا بخليج عُمان وبحر العرب جنوبًا، يبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 33 كيلومترًا، في حين لا يتجاوز عرض ممري الدخول والخروج فيه 3 كيلومترات لكل اتجاه.
ويُعد المنفذ البحري الوحيد لصادرات النفط والغاز من الخليج، ما يجعله “عنق زجاجة” جيوسياسيًا.
ويمر عبر المضيق قرابة 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام -أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي- إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المُسال عالميًا، مع توجه 83% من شحنات الغاز المارة عام 2024 إلى الأسواق الآسيوية، خصوصًا من قطر.
سلاسل التوريد العالمية
أصبحت الحرب أزمة في سلسلة الإمداد العالمية، حيث أدّت المخاطر الأمنية في الممرات البحرية إلى تعطيل حركة السفن التجارية التي تربط بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، وقد اضطرت شركات الشحن الكبرى إلى تغيير مساراتها البحرية عبر طرق طولى وأكثر خطورة وتكلفة، ما أدى إلى تباطؤ تدفق البضائع الأساسية.
وأدت هذه الاضطرابات إلى تأخر في شحنات السلع الاستهلاكية، وقطع الغيار، والمنتجات الزراعية، ما زاد من التكاليف التشغيلية للشركات، ورفع أسعار السلع في الأسواق الاستهلاكية، وهو ما شكل ضغطًا متكاملًا على قدرة المستهلكين على تلبية احتياجاتهم بحسب منظمة التجارة العالمية.
ارتفاع التضخم وأسعار المواد الأساسية
ترتب على ارتفاع أسعار الطاقة والتعطيلات اللوجستية موجة تضخّم عالمية ثانية، انعكست في ارتفاع أسعار الغذاء والسلع المصنعة، ما قلّص القدرة الشرائية للمستهلكين خاصة في الاقتصادات الهشة.
مثلًا، ارتفعت أسعار السلع الغذائية في أكثر من 70 دولة بنسبة تراوح بين 8% و15% منذ بداية النزاع، في حين سجّلت دول عربية وغير عربية ارتفاعات لافتة في أسعار الغذاء والمواصلات والطاقة، وقد أدّى هذا التضخم إلى زيادة معدلات الفقر في العديد من البلدان النامية، وتراجع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة والمتوسطة وفق تقارير برنامج الغذاء العالمي، منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).
الانخفاض في النمو الاقتصادي العالمي
تشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي انخفض بنحو 0.8% بالمقارنة مع توقعات ما قبل الحرب، وقد أدّى ذلك إلى تباطؤ معدلات التوظيف في قطاعات التصنيع والخدمات والسياحة، وخلق اضطرابات في سوق العمل خاصة في الاقتصادات الناشئة.
كما أجبر الارتفاع المتسارع في تكاليف التمويل الحكومات على إعادة توجيه ميزانياتها من الاستثمارات التنموية إلى التحفيز الاقتصادي أو دعم المواد الأساسية، ما أدى إلى زيادة مستويات الدين العام في العديد من الدول وفق صندوق النقد الدولي.
التداعيات الإنسانية: الفقراء أول المتضررين
على مستوى الأفراد، تُظهر البيانات أن الأسر ذات الدخل المنخفض أصبحت تتحمل العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار، خاصة في الدول المستوردة للطاقة والمواد الغذائية. وقد أدّت هذه الزيادة في تكلفة المعيشة إلى ارتفاع معدلات الفقر، وانخفاض القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم.
كما أثّرت هذه التداعيات بشكل خاص في النازحين واللاجئين في مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث ارتفعت تكلفة الوقود والمواد الغذائية بشكل يفاقم من معاناتهم اليومية، في وقت يتراجع الدعم الإنساني نتيجة القيود المالية والسياسية وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
حقوق الإنسان والقانون الدولي في المواجهة
رغم أن القانون الدولي الإنساني يركز على حماية المدنيين أثناء النزاعات، فإن المفاهيم المرتبطة بحقوق الإنسان تنص أيضًا على حماية الحق في مستوى معيشي كافٍ، وفي الغذاء والطاقة والعمل والتعليم، وقد دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى تعزيز برامج الحماية الاجتماعية في الدول المتضررة، وتجنّب توجيه الموارد الحيوية نحو الإنفاق العسكري على حساب الاحتياجات الإنسانية.
كما شدّدت منظمات حقوقية دولية على رأسها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش على ضرورة أن تعمل الحكومات على ضمان وصول الخدمات الأساسية لجميع المواطنين، وبخاصة الفئات الضعيفة، بما يتوافق مع التزاماتها في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان.
السبل المقترحة للتعافي
وسط هذه التداعيات، دعا صناع القرار والمختصون إلى تنسيق عالمي عاجل لتخفيف آثار الحرب في الاقتصاد العالمي من خلال: تعزيز الحماية الاجتماعية للشرائح الأكثر هشاشة؛ وتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري؛ وتسريع التحول للطاقة المتجددة لتخفيف الصدمات المستقبلية؛ ودعم الدول النامية بتسهيلات ائتمانية وحزم إنقاذ طارئة؛ وإعادة بناء سلاسل الإمداد بحلول لوجستية مبتكرة وآمنة إضافة إلى تبني سياسات مالية أكثر مرونة لتحفيز النمو الاقتصادي واستقرار العملات المحلية، ودعم الأنظمة الصحية والتعليمية التي تعاني من ضغوط مالية إضافية في ظل الأزمة بحسب توصيات البنك الدولي، والصندوق الدولي للتنمية.
تُظهر الحرب في الشرق الأوسط تأثيرات تتجاوز نطاقها العسكري لتتشابك مع الاقتصاد العالمي، والتجارة الدولية، وأسعار الطاقة، وصولًا إلى حياة الأفراد في أكثر من دولة، فالارتفاع المستمر في الأسعار، والتراجع في النمو، والاختلالات في سلاسل الإمداد، كلها تؤشر إلى أزمة متعددة الأبعاد، وبينما تبقى الدبلوماسية الدولية الأمل الحقيقي لوقف النزاع، فإن حماية الحقوق الإنسانية والاقتصادية للملايين حول العالم تظل تحديًا يتطلب تعاونًا دوليًا عاجلًا وإجراءات عاجلة للحد من التدهور المتسارع في حياة الناس.











