رغم الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة.. المغاربة يتشبثون بتقاليدهم الرمضانية الأصيلة

رغم الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة.. المغاربة يتشبثون بتقاليدهم الرمضانية الأصيلة

- باحث في الهوية المغربية: رمضان هذا العام وفق المعتاد والمغاربة متمسكون بهويتهم وعاداتهم وتقاليدهم

- أستاذ في علم الاجتماع: المغاربة يوازنون بين دنياهم ودينهم

- رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك: المواد الغذائية متوفرة في الأسواق والأسعار ترتفع وتنخفض

- المنسق العام للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان: المغاربة سيعبِرون في رمضان عن دعمهم للقضية الفلسطينية

المغرب- سامي جولال

لم تستطع الظروف الاقتصادية الصعبة، التي يمر منها العالم اليوم، من تضخم وارتفاع للأسعار، بسبب تداعيات انتشار وباء كورونا والحرب الروسية-الأوكرانية، النيل من تشبث المغاربة بهويتهم الدينية، وبعاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم الرمضانية الأصيلة، التي يحرصون على ممارستها وإقامتها في رمضان هذا العام كما فعلوا منذ قرون.

"جسور بوست" تسلط الضوء على الأجواء التي يمضي فيها المغاربة رمضان هذا العام، وعلى مختلف عاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم خلال هذا الشهر، على لسان مجموعة من المتخصصين، في مجالات الهوية المغربية والتراث، وعلم الاجتماع، وحقوق المستهلك، والمجال الحقوقي.

وأعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب، مساء الأحد، أن فاتح شهر رمضان بالمغرب لعام 1445 هـ، سيكون يوم الثلاثاء 12 مارس 2024.

عادات وتقاليد مغربية في رمضان 

 

قال الأستاذ الباحث في الهوية المغربية والعضو في الجمعية المغربية للتراث والتنمية، خالد التوزاني، إنه على غرار كل عام، استعد المغاربة لشهر رمضان بممارسة مجموعة من العادات والتقاليد، من أبرزها التحضيرات، التي قامت بها ربات البيوت على مستوى المطابخ، سواء اقتناء أواني جديدة، أو تغيير بعض الأواني القديمة، خاصة الآلات العصرية، التي تستعمل في إعداد الأكلات المغربية التقليدية الرمضانية، وعلى رأسها حلوى الشّْبَّاكِيَّة، وحلوى سْلُّو، وحلوى كعب الغزال، والْبْرِيوَاتْ، التي تفوح روائحها في الأزقة أثناء إعدادها.

وأضاف التوزاني، في حديث مع "جسور بوست"، أن الرجال المغاربة استعدوا لرمضان بتلبية طلبات المنازل، إذ يكون هناك إقبال استثنائي على اقتناء بعض المواد الغذائية، من بينها اللوز، والتمر بشكل خاص، وبعض الأنواع من القطاني، التي تستخدم في إعداد “شوربة الْحَرِيرَة”، موضحاً أن بعض المتاجر تغير نشاطها في شهر رمضان، وتتحول إلى بيع أكلات مغربية يقبل المغاربة على استهلاكها خلال هذا الشهر.

وأفاد التوزاني بأن النساء المغربيات يحضرن لهذه المناسبة الدينية ألبسة مغربية تقليدية، تتمثل في القفطان المغربي، والجلباب المغربي بشكل خاص، الذي يرتدينه أثناء أداء صلاة التراويح، إذ يقتنين الأثواب، ويخطنها عند الخياط، ليكون اللباس جاهزاً في بداية شهر رمضان، أو في العشر الأواخر من الشهر، أو في العيد، ما يجعل مهن الخياطة تعرف إقبالاً كثيفاً عليها من قِبل النساء المغربيات.

وتابع المتحدث نفسه أن الرجال المغاربة يقبلون كذلك على الجلباب المغربي، وعلى اقتناء ألبسة أخرى جديدة تليق بهذا الشهر، مبرزاً أن رمضان حل هذا العام في فصل الشتاء، وأن الجو سيكون غير حار نسبيّاً، عكس الأعوام السابقة، التي كان يحل فيها رمضان في فصل الصيف، ولذلك ستتم العودة إلى اللباس المغربي التقليدي الشتوي بالألوان الداكنة، انسجاماً مع خصوصية رمضان هذا العام على مستوى الطقس.

الباحث في الهوية المغربية والعضو في الجمعية المغربية للتراث والتنمية، خالد التوزاني
 

وتحدث التوزاني عن إقبال المغاربة على صلاة التراويح بالآلاف، الذين تمتلئ بهم المساجد عن آخرها، وعن أداء مغاربةٍ الصلاة في الأزقة والشوارع، بسبب امتلاء المساجد، وعن الفرح بالصبيان والأطفال، من خلال تحفيزهم على الصيام بالهدايا واللباس التقليدي، الأمر الذي قال إنه يظهر في العشر الأواخر من الشهر، التي تسجل ذروة هذه التقاليد، واشتدادها، وظهورها في الشارع، إلى جانب ذهاب كثير من المغاربة إلى المملكة العربية السعودية لأداء العمرة.

تشبث بالهوية الدينية والطقوس

أبرز التوزاني أن الأغلبية توقعوا أن يحدث تحول أو تغير في نمط استقبال المغاربة لرمضان، بسبب الظروف الصعبة، التي يمر منها العالم اليوم، المرتبطة بالتضخم وارتفاع الأسعار، باعتبارهما من التداعيات الكبرى لوباء كورونا، وأنه كان هناك، قبل شهرين من الآن، تخوف لدى الجميع من تضحية الكثير من الأسر ببعض الأكلات، أو ببعض الألبسة، واكتفائهم بالقليل، وبما تبقى عندهم من العام الماضي، لكن على الرغم من ذلك تشهد المحلات التجارية إقبالاً على التبضع من قِبل المغاربة، الذين يتشبثون بعاداتهم وطقوسهم الرمضانية، المرتبطة باللباس، وبالغذاء، وأيضاً باقتناء سجادات الصلاة، والمصاحف والكتب الدينية في طبعات جديدة عصرية، وكراسي الصلاة بالنسبة لبعض كبار السن، الذين لا يستطيعون أداء الركوع أو السجود بالوضع الطبيعي.

وفي هذا الجانب، بيَّن التوزاني أن رمضان في المغرب هذا العام سيكون وفق المعتاد، ووفق ما دأب عليه المغاربة منذ عهود طويلة، وأن المغاربة متشبثون بهويتهم الدينية، وبعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، ولم يحدث تحول أو تغير في نمط استعدادهم لشهر رمضان، لأنهم ينظرون إليه باعتباره شهراً مقدساً يرتبط بركن من أركان الإسلام، وينتعش فيه التضامن، وصلة الرحم، وتبرز فيه قيم الإحسان إلى الآخر، والتآزر، والمودة، والإخاء، والتعبير عن الفرح، خصوصاً أن رمضان سبقته أمطار الخير، التي شرحت صدور المغاربة، وجعلتهم يستبشرون خيراً، ويتفاءلون، وأدت إلى انخفاض أسعار بعض المنتوجات الفلاحية، من بينها، بحسب التوزاني، الطماطم، التي تعتبر المادة الأساسية لتحضير شوربة الْحَرِيرَة العريقة، التي لا تخلو مائدة مغربية منها في رمضان.

دنيا ودين

من جانبه، قال أستاذ علم الاجتماع، علي شعباني، إن المغاربة يستعدون لشهر رمضان بالقيام بالعديد من التحضيرات، سواء داخل البيوت، التي تشهد تحضير مجموعة من الحلويات والأكلات، التي تستهلك في رمضان، أو في الأسواق، من خلال اقتناء ما يتطلبه هذا الشهر من مواد غذائية، وملابس تقليدية يحتاج إليها المغاربة أثناء إحيائهم ليالي رمضان في المساجد، من أجل العبادة والصلاة، واقتناء المصاحف، إلى جانب قيام العديد من المحسنين بتوزيع قفف تحتوي على مواد غذائية على الكثير من المحتاجين والفقراء.

وأضاف شعباني، في حديث مع "جسور بوست"، أن المغاربة يعملون بحكمة علي بن أبي طالب، الذي كان يقول "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، إذ لا يفرطون في ما يمكن أن يحسن مستواهم الاقتصادي والاجتماعي خلال الأيام العادية، ولا يفرطون في ما يمكن أن يتمتعوا به من بهجة الحياة والأمور الدنيوية، بينما يتمثل الوجه الآخر للعملة في أنهم لا يفرطون في العمق الديني، والحضاري، والثقافي التقليدي، ويظهرونه في هذه المناسبات، سواء خلال شهر رمضان، أو في الأعياد الدينية الأخرى، التي يحيونها بكل طقوسها.

وأردف شعباني أن شهر رمضان في المغرب يشهد إقبالاً كبيراً على المساجد، وقراءة القرآن، والزيارات العائلية بشكل مكثف، ويكثر الاحتفال مع العائلات، وفعل الخير والصدقات، وغيرها من الأمور الأخرى، إضافة إلى تفضيل عدد من المغتربين المغاربة، الذين يعيشون في دول أخرى، قضاء شهر رمضان في المغرب مع عائلاتهم.

أسعار المواد الاستهلاكية

في ما يتعلق بتوفر المواد الاستهلاكية في الأسواق المغربية، وأسعارها، قال رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك (تضم 70 جمعية مغربية تُعنى بحماية المستهلك)، بوعزة الخراطي، إنه على غرار عدة دول، اجتاحت أزمة الغلاء المغرب بعد جائحة كوفيد-19، لكن منذ 3 أشهر تقريباً سجل انخفاض في أسعار المواد الغذائية، خاصة الخضراوات والفواكه، وإن هناك حاليّاً انخفاضاً في أسعار بعض الأنواع من اللحوم، مقابل ارتفاع أسعار بعض المواد، من بينها البيض، إلى جانب الطماطم، التي عرفت أسعارها مؤخراً ارتفاعاً طفيفاً، بسبب تهافت الأسر على اقتناء المواد، التي يحتاجون إليها خلال شهر رمضان.

وأضاف الخراطي، في حديث مع "جسور بوست"، أنه من الناحية الاقتصادية، هناك وفرة للمواد الغذائية في الأسواق المغربية، وكل ما يريده المستهلك موجود، وأن المواد الأهم والأساسية أصبحت في متناول القدرة الشرائية للمستهلك، لكن هذه الأخيرة (القدرة الشرائية) لا تسمح في أغلب الأحيان بتلبية جميع الحاجيات.

وتابع المصدر نفسه قائلاً إن السوق في المغرب حر، وإن قانون العرض والطلب هو الذي يحدد الأسعار، وإن هناك إلزامية إشهار الأسعار من قِبل البائعين، لكن ليس هناك تسقيف أو تحديد لها، وإن ذلك متروك للسوق، موضحاً أنه إذا كثر الطلب ارتفعت الأسعار، وإذا انخفض انخفضت، وأنه عندما تكون الوفرة تنخفض الأسعار، بينما عندما تكون المواد قليلة في السوق، يرتفع سعرها. 

وفي هذا الجانب، أردف الخراطي أن الحكومة في المغرب تريد أن يكون السوق حرّاً، وأن تحدد المنافسة الأسعار، بدلاً من أن يكون هناك تسقيف لها، أو تدخل للحكومة، وأن ذلك أعطى نتائج إيجابية، لأنه في الوقت الذي عرفت فيه عدة دول خلال فترة كوفيد-19 وما بعدها أزمات فقدان بعض المواد داخل أسواقها، من بينها -بحسبه- إسبانيا وفرنسا، اللتان قال إنهما شهدتا غياب زيت المائدة، كانت جميع المواد متوفرة في المغرب، رغم أنه كان هناك ارتفاع في الأسعار، متابعاً أن البلاد دخلت الآن في منحى انخفاض الأسعار، وأن الارتفاع الطفيف الموجود يرجع بشكل خاص إلى تزايد الطلب.

شبابيك المستهلك

تحدث الخراطي عن "شبابيك المستهلك"، التي تتوفر عليها مجموعة من الجمعيات، التي تُعنى بحقوق المستهلك، والتابعة للجامعة المغربية لحقوق المستهلك، وتم إنشاء تلك الشبابيك، بحسب المتحدث، في إطار شراكة بين وزارة الصناعة والتجارة والجامعة المذكورة، ويبلغ عددها 30 شباكاً في عدد من المدن المغربية، تستقبل شكايات المواطنين، ويتم التدخل عبرها لفض النزاعات بين المستهلك والبائع.

رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، بوعزة الخراطي
 

عادات غذائية دخيلة

في ما يخص العادات الغذائية للمغاربة خلال شهر رمضان، أفاد الخراطي بأنها تتغير دائماً حسب المنتجات الموجودة في السوق، وأن مائدة الإفطار المغربية دخلت عليها بعض أنواع الفواكه، خاصة الفواكه الحمراء، التي لم تكن موجودة من قبل، قال إن من بينها الميرتيل “التوت الأزرق” وعدة فواكه أخرى، تصدر إلى الأسواق الأوروبية، وتجتاح السوق المغربي في هذه الفترة، وتعد دخيلة على العادات المغربية.

ظاهرة التبذير

في المقابل، تحدث الخراطي عن التبذير، الذي اعتبره من العادات السيئة، وأوضح أنهم يطالبون في الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، منذ سنة 2016، بترشيد الاستهلاك في شهر رمضان، وأنه غير معقول أن يسجل شهر رمضان ذروة تبذير المواد الغذائية، وأنه يجب على المستهلك أن يلتزم بترشيد الاستهلاك، وألّا يستهلك إلا ما يحتاج إليه، متابعاً أن هذه الظاهرة معروفة في العالم العربي، في السعودية، والإمارات، والمغرب، والجزائر، بحسب بعض إحصائيات الأمم المتحدة، وأنه للأسف لا يتم استهلاك إلا القليل مما يقدم على مائدة الإفطار، داعياً المستهلك، كيفما كان، وفي أية دولة عربية، إلى ترشيد الاستهلاك.

دعم القضية الفلسطينية

يحل رمضان هذا العام بينما تشهد فلسطين أحداثاً مأساوية، جراء الهجوم العنيف، الذي تشنه إسرائيل منذ أشهر على قطاع غزة، وأودى بحياة عدد كبير من المدنيين، بينهم أطفال، ونساء، وشيوخ، ما أدانه المغاربة، من خلال مجموعة من الأشكال التعبيرية، التي نددوا عبرها بما يتعرض له الشعب الفلسطيني، مع توقع استمرارهم في ذلك خلال شهر رمضان، بحسب المنسق العام للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، عبدالإله بن عبدالسلام.

وقال بن عبدالسلام، في حديث مع "جسور بوست"، إن الشعب المغربي له تاريخ مع القضية الفلسطينية، ومع فلسطين، منذ أيام صلاح الدين الأيوبي، وإنه على امتداد التاريخ، كان المغرب حاضراً من خلال شعبه في جميع النضالات، وضحى المغاربة إلى جانب الشعب الفلسطيني، مع مختلف الفصائل الفلسطينية، سواء في لبنان، أو من خلال المقاومة في سوريا، أو في غيرها من الدول، وظل الشعب المغربي يعتبر القضية الفلسطينية قضية وطنية، وظل يحملها في وجدانه.

المنسق العام للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، عبدالإله بن عبدالسلام

وأضاف بن عبد السلام أن الأجواء الموجودة الآن في المغرب، هي استمرار التنديد، والاحتجاج، والإدانة، لما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سواء في قطاع غزة، أو في الأراضي المحتلة سنة 1948، أو في الضفة الغربية، وأن الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع تنوي القيام بأنشطة في رمضان.

وأفاد المتحدث ذاته بأنه يظن أن الشعب المغربي سيبدع، وسيبتكر أساليب، خلال رمضان، للتعبير من خلالها كما عبر منذ 7 أكتوبر بأشكال مختلفة، إذ خرج الشباب -بحسبه- بالدراجات، وأبدعوا بالصوت والصورة، وبعدد من الوسائل، كانت آخرها مسيرة الدار البيضاء، التي تمت خلالها الطنطنة على الأواني، للتعبير عن الاحتجاج على القتل التجويعي للأطفال، والنساء، وغيرهم، الذين يسقطون جياعاً، بسبب الحصار والتجويع، اللذين يقوم بهما الكيان الصهيوني، إلى جانب مقاطعة مواد الكيان الصهيوني والدول الاستعمارية، والوقفات أمام المساجد بعد صلاة الجمعة، التي عبر المغاربة من خلالها عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، وتنديدهم بما يتعرض له من اعتداءات.

وأوضح بن عبدالسلام أنه لاحظ في السنوات الأخيرة خفوتاً في الاهتمام بالقضية الفلسطينية من طرف جزء من الأجيال الجديدة، لكن طوفان الأقصى بعث الروح في الأطفال والشباب، وأنه يتابع ذلك من خلال ما يقوم به الأطفال من حملٍ لأعلام فلسطين، وكذلك عندما يكون في الشارع مرتدياً الكوفية الفلسطينية، ويتوقفون ليقولوا له "فلسطين حبيبتنا" و"فلسطين حرة"، مردفاً أن الروح بعثت من جديد في الجسم المغربي الذي استيقظ ونفض عنه كل الأوهام المتمثلة في أن الكيان الصهيوني يمكن أن يكون كياناً قابلاً للعيش في المنطقة.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية