جيل بلا مدرسة.. الأزمة المالية تحرم أطفال الضفة من حقهم في التعليم
جيل بلا مدرسة.. الأزمة المالية تحرم أطفال الضفة من حقهم في التعليم
في الوقت الذي يفترض أن يكون فيه التوأمان أحمد ومحمد الحاج داخل صفوف المدرسة، يمضيان أيامهما في منزل العائلة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، مثل آلاف الأطفال الذين بات التعليم بالنسبة لهم تجربة متقطعة وغير مستقرة، تحوّلت المدرسة من روتين يومي ثابت إلى أيام قليلة متفرقة، في مشهد يعكس عمق الأزمة المالية التي تضرب مؤسسات السلطة الفلسطينية وتلقي بظلالها الثقيلة على حياة الطلبة.
ووفق تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية الثلاثاء، ينتمي التوأمان البالغان من العمر 10 سنوات إلى جيل كامل من الطلبة تأثر بتقليص أيام الدوام المدرسي من 5 أيام أسبوعياً إلى 3 فقط، نتيجة العجز المالي المتفاقم في موازنة السلطة الفلسطينية، وهو عجز بات ينعكس على مختلف تفاصيل الحياة اليومية في الضفة الغربية.
أزمة مالية تضرب التعليم
أثّرت الأزمة بشكل مباشر في قطاع التعليم؛ إذ لم يعد كثير من المعلمين يتقاضون رواتبهم كاملة، في حين جرى تقليص أيام الدراسة وسط حالة من عدم اليقين، ما أثار مخاوف عميقة بشأن مستقبل نحو 630 ألف تلميذ فلسطيني في الضفة الغربية.
يقول إبراهيم الحاج، والد التوأمين، إن التعليم هو الطريق الوحيد لمستقبل أفضل، لكنه يرى هذا الطريق يتلاشى أمام عينيه، و يوضح أن غياب التعليم المنتظم يعني غياب فرصتي الجامعة والعمل، وهو ما يهدد مستقبل طفليه وأقرانهما.
ترجع جذور الأزمة إلى قرار إسرائيل حجب عائدات الرسوم الجمركية التي تجبيها نيابة عن السلطة الفلسطينية، وهو إجراء استخدمته مراراً بوصفه ورقة ضغط سياسية، خصوصاً بعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، كما تضرر اقتصاد الضفة الغربية بشدة بسبب وقف تصاريح العمل للفلسطينيين داخل إسرائيل، إلى جانب انتشار الحواجز العسكرية والقيود المفروضة على الحركة.
مدارس بلا استقرار
تقول عائشة خطيب، مديرة المدرسة التي يرتادها التوأمان في نابلس، إن الفرص التعليمية التي حصل عليها جيلها كانت أفضل بكثير مما يحصل عليه طلاب اليوم، وتضيف أن الرواتب مخفضة، وأيام العمل أقل، والطلاب لا يتلقون تعليماً كافياً.
تشير خطيب إلى أن كثيراً من المعلمين تركوا مهنتهم واتجهوا إلى أعمال أخرى بحثاً عن دخل ثابت، في حين اضطر بعض الطلاب إلى العمل لمساعدة أسرهم خلال فترات إغلاق المدارس الطويلة.
في منزل التوأمين تتحول أيام العطلة القسرية إلى ساعات طويلة أمام شاشة التلفزيون أو الهاتف، حيث يضطر الأب والأم إلى العمل وترك الطفلين وحدهما، ورغم محاولتهما تعويض النقص عبر الدروس الخصوصية، فإن تكلفتها تمثل عبئاً ثقيلاً على أسرة يعتمد دخلها على الزراعة.
تراجع في التحصيل والمهارات
تقول تمارة أشتية، وهي معلمة في نابلس، إن ابنتها البالغة 16 عاماً تراجعت نتائجها الدراسية بنحو 6 درجات مقارنة بالعام الماضي، بسبب تقليص ساعات الدراسة، وتؤكد أن الوضع أكثر خطورة بالنسبة للتلاميذ الأصغر سناً الذين يحتاجون إلى تعليم منتظم لبناء أساس قوي في القراءة والكتابة.
توضح أشتية أن المرحلة الأساسية لم تعد توفر أساساً تعليمياً سليماً، إذ يعاني كثير من الطلاب من ضعف في المهارات الأساسية، نتيجة الحضور غير المنتظم والضغط النفسي المستمر.
وتشير إلى أن هذه الظروف أدت إلى تراجع التركيز والانضباط داخل الصفوف، وارتفاع مستويات التوتر والكسل بين الطلبة، إلى جانب انخفاض ملحوظ في العلامات الدراسية.
طوارئ تعليمية شاملة
في مدارس وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) التي يتلقى فيها نحو 48 ألف طالب تعليمهم داخل مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، تبدو الصورة أكثر قتامة.
يقول المتحدث باسم الوكالة جوناثان فاولر إن المنطقة انتقلت من أزمة فقر تعليمي إلى حالة طوارئ نظامية شاملة، مع تراجع ملحوظ في مستوى الطلبة في مادتي اللغة العربية والرياضيات خلال السنوات الأخيرة.
لا يعزو فاولر هذا التراجع إلى الأزمة المالية فقط، بل يشير إلى عوامل أخرى منها الاقتحامات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، والآثار الممتدة لجائحة كوفيد 19، إضافة إلى الصدمات النفسية التي يعاني منها الطلبة.
ويؤكد أن المزج بين التعليم الحضوري والتعليم عن بعد، إلى جانب أكثر من 2000 حادثة موثقة من التدخلات العسكرية أو اعتداءات المستوطنين خلال عامي 2024 و2025، أدى إلى فقدان آلاف الطلبة فرصهم التعليمية.
كما تدرس الأونروا تقليص أيام الدراسة الأسبوعية بسبب العجز المالي الذي تعاني منه، بعد أن أوقفت دول مانحة رئيسية، منها الولايات المتحدة، إسهاماتها في تمويل الوكالة.
خسارة واسعة لأيام الدراسة
في شمال الضفة الغربية، حيث أدت العمليات العسكرية في مخيمات اللاجئين إلى نزوح نحو 35000 شخص خلال عام 2025، خسر بعض الطلبة ما يصل إلى 45 بالمئة من أيام الدراسة.
وفي مناطق أخرى تواجه مدارس أوامر هدم أو إغلاق كامل، منها 6 مدارس تابعة للأونروا في القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل عام 1967.
يحذر المعلمون من الآثار التراكمية لهذه الأزمات التي لا تقتصر على عام دراسي واحد، بل تمتد لتؤثر في المسار التعليمي الكامل للطلاب، تقول أشتية إن المفترض أن يتطلع الجميع إلى مستقبل مشرق، لكن الواقع يشير إلى أن الأوضاع تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
يعتمد الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية بشكل كبير على عائدات الضرائب والجمارك التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، وهي تمثل جزءاً أساسياً من الموازنة العامة. منذ سنوات، تستخدم إسرائيل حجب هذه الأموال بوصفه ورقة ضغط سياسية، ما يؤدي إلى أزمات مالية متكررة، وتفاقمت الأزمة بعد حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023، مع توقف تصاريح العمل للفلسطينيين داخل إسرائيل وتشديد القيود على الحركة والتجارة، وانعكس ذلك على مختلف القطاعات، خصوصاً التعليم، حيث واجهت المدارس صعوبات في دفع رواتب المعلمين وتشغيل المؤسسات التعليمية بشكل طبيعي، ويعيش مئات الآلاف من الطلبة في الضفة الغربية اليوم وسط ظروف تعليمية غير مستقرة تتراوح بين تقليص أيام الدراسة وإغلاق المدارس أو تعرضها لتهديدات الهدم، ما يهدد جيلاً كاملاً بفقدان حقه في التعليم ويثير مخاوف من تداعيات اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.










