محو العبودية وتجميل الماضي.. هجوم ترامب على سميثسونيان يكشف هشاشة الحقوق الثقافية

في معركة على الذاكرة الأمريكية

محو العبودية وتجميل الماضي.. هجوم ترامب على سميثسونيان يكشف هشاشة الحقوق الثقافية
مؤسسة "سميثسونيان" الأمريكية

يعود الجدل مجدداً في الولايات المتحدة حول علاقة التاريخ بالسياسة، بعد أن صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومه ضد مؤسسة "سميثسونيان"، أعرق المتاحف والمراكز الثقافية في البلاد، متهماً إياها بتقديم "رؤية متشائمة" و"منحازة" لتاريخ الولايات المتحدة، خصوصاً في ما يتعلق بفترة العبودية والتمييز العنصري.

ووفقا لتقرير نشرته صحيفة "الغارديان"، اليوم الخميس، فإن ترامب شنّ حملته الأخيرة بعد ظهور وثيقة داخلية من البيت الأبيض تشير إلى مراجعة للمحتوى المعروض في متاحف سميثسونيان، معتبرة أن المؤسسة لا توازن بين "إنجازات الأمة" و"صفحاتها السوداء"، وقد فتح هذا النقاش الباب أمام معركة أوسع، لا تتعلق بمتحف واحد فقط، بل بذاكرة وطن بأكمله.

ومنذ فترته الرئاسية الأولى يرفع ترامب شعار مواجهة ما يسميه بـ"الاستيقاظ الثقافي" (Woke Culture)، في إشارة إلى الموجات التي تسعى لتسليط الضوء على القضايا المرتبطة بالتمييز والظلم التاريخي.

ووفقاً لتقرير نشرته "نيويورك بوست"، فقد وصف الرئيس ترامب محتوى سميثسونيان بأنه "خيانة لرواية الأمة"، مدعياً أن التركيز المفرط على العبودية والاضطهاد العرقي يحجب "عظمة التجربة الأمريكية".

لكن خبراء ومؤرخين نقلت عنهم الصحيفة الأمريكية رفضوا هذا الطرح، مؤكدين أن المتحف ليس سوى انعكاس لتطور وعي المجتمع الأمريكي بتاريخ لم يكن يوماً متجانساً أو خالياً من الألم، بل إن التذكير بالعبودية أو بالتمييز العنصري هو، بحسب هؤلاء، جزء من حق الضحايا وذريتهم في الاعتراف والذاكرة، وهو حق أساسي في منظومة العدالة الانتقالية والحقوق الإنسانية.

بين السياسة والذاكرة

التوتر بين ترامب وسميثسونيان لم يكن وليد اللحظة، ففي ولايته الرئاسية الأولى، سبق أن هاجم المتاحف الوطنية التي تناولت قضايا السود أو السكان الأصليين، معتبراً أنها "تعيد كتابة التاريخ".

وفي المقابل، ترى صحيفة "لوس أنغلوس تايمز" أن هذه المواجهة تعبّر عن استقطاب عميق داخل المجتمع الأمريكي؛ فبينما يطالب تيار واسع بضرورة مواجهة الماضي بكل قسوته، يسعى تيار آخر لإعادة تسطيح الرواية الوطنية بما يخدم الهوية القومية التقليدية.

وما يجعل القضية أكثر حساسية هو أن مؤسسة سميثسونيان ليست مجرد متحف، بل شبكة تضم 21 متحفاً ومكتبة ضخمة وحديقة وطنية، وهي بذلك مؤسسة مرجعية في صياغة سردية التاريخ الأمريكي للأجيال الجديدة، ومن هنا فإن أي تدخل سياسي في محتواها يعني، عملياً، إعادة تعريف الهوية الجماعية للشعب الأمريكي.

ويرى مراقبون، نقلت عنهم صحيفة "واشنطن بوست"، أن هجوم ترامب يسعى لاستنهاض قاعدته الشعبية المحافظة عبر اللعب على وتر "الحرب الثقافية"، ويجد في نقد سميثسونيان فرصة لتأجيج النقاش حول "الاستيقاظ" وإظهاره كمدافع عن "القيم الأمريكية التقليدية".

لكن صحيفة "الغارديان" تشير إلى أن هذا النهج يعكس استخدام التاريخ كسلاح سياسي، في بلد يعيش منذ سنوات أزمة هوية تتجسد في الخلاف حول الرموز والذاكرة: من إسقاط تماثيل قادة الكونفدرالية، إلى النقاشات حول المناهج الدراسية التي تتناول قضايا العنصرية والتمييز.

حقوق الذاكرة والعدالة

في جوهر النقاش، كما ترى "لوس أنغلوس تايمز"، تكمن قضية حقوقية تتجاوز الولايات المتحدة، فالتاريخ ليس مجرد مادة أكاديمية، بل هو حق للضحايا وأحفادهم في الاعتراف بمعاناتهم، وإن إقصاء قصص العبودية أو العنصرية من الذاكرة الوطنية يشكّل، في نظر الحقوقيين، انتهاكاً لحق الشعوب في الحقيقة، وهو حق نصت عليه المواثيق الدولية كشرط لتحقيق العدالة والمصالحة.

كما أن استهداف المتاحف، التي يفترض أن تكون فضاءات مستقلة للمعرفة، يثير قلقاً بشأن حرية التعبير الأكاديمي والثقافي، وقد حذّر باحثون تحدثوا مع "واشنطن بوست" من أن الضغط السياسي على سميثسونيان قد يفتح الباب أمام تقييد روايات بديلة للتاريخ، وبالتالي الحد من التعددية التي تميز المجتمعات الديمقراطية.

سميثسونيان

منذ تأسيسه في القرن التاسع عشر، لعب سميثسونيان دوراً محورياً في عرض تاريخ متنوع يعكس ثراء وتناقضات المجتمع الأمريكي، وقد توسع على مر العقود ليشمل متاحف متخصصة بتاريخ الأمريكيين الأفارقة، والسكان الأصليين، والمهاجرين، والفنون والثقافة الشعبية، وهو بذلك يمثل ذاكرة جماعية لا يمكن اختزالها في رواية واحدة.

وتشير "نيويورك بوست" إلى أن كثيراً من معارض سميثسونيان الأخيرة حاولت الموازنة بين إبراز إنجازات الأمة في مجالات مثل العلوم والابتكار، وبين التذكير بالثمن الإنساني الذي دفعته شرائح مهمشة، غير أن هذا التوازن يظل موضع جدل، حيث يرى المحافظون أن الكفّة تميل نحو "إبراز الجوانب السلبية"، بينما يرى التقدميون أن مواجهة الماضي هي السبيل الوحيد نحو مستقبل أكثر عدلاً.

واللافت أن الجدل حول سميثسونيان يعكس مساراً عالمياً، إذ أصبحت المتاحف وفضاءات الذاكرة ساحات لصراع الهويات في العديد من البلدان، وترى "الغارديان" أن إصرار ترامب على مهاجمة المؤسسة الثقافية الأبرز في البلاد يكشف عن "حرب رمزية" يخوضها اليمين الشعبوي ضد ما يعتبره "إعادة كتابة التاريخ"، لكن بالنسبة لضحايا العبودية وأحفادهم، وللمجتمعات التي عانت من التمييز، فإن هذه ليست حرباً على الرموز بل على الحق في أن يُروى تاريخهم بصدق وعدالة.

وفي المحصلة، يفتح النزاع بين ترامب وسميثسونيان سؤالاً أعمق: لمن ينتمي التاريخ؟ هل هو ملك للدولة لتصوغه وفق مصالحها السياسية؟ أم هو ذاكرة جمعية يجب أن تعكس كل الأصوات، بما فيها أصوات المهمشين والمقموعين؟

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية