أيادٍ تلاحق النساء في إيران.. حين يتحول الصمت إلى "رخصة للتحرش"

أيادٍ تلاحق النساء في إيران.. حين يتحول الصمت إلى "رخصة للتحرش"
فتيات يرفضن التحرش - أرشيف

قبل نحو ثمانية عقود، صوّر الكاتب الإيطالي كورتزيو مالابارته في روايته الضحية مشاهد الفتيات البولنديات الهاربات من قبضة الجنود الألمان، وكتب جملة قاسية: "كانت الأيادي أول ما يتحرك". 

واليوم، وبعد مرور زمن طويل على تلك الحرب، لا تزال الأيدي تتحرك، لكن ليس في ميادين المعارك، بل في الحافلات، وأماكن العمل، وبيوت العائلات.. إنهن نساء وفتيات يعشن بيننا، يواجهن لمساً قسرياً وتحرشاً يومياً يُبرره مجتمع ذكوري، ويُطيل أمده ضعف القوانين وتواطؤ الأعراف، بحسب ما ذكرت وكالة "JINHA"، اليوم السبت.

وفي شوارع كرماشان بشرق كردستان بإيران، تحكي عاطفة. ك، كيف تحوّل صمتها الأول إلى دعوة مفتوحة للتحرش بها في الحافلات المزدحمة. 

تقول عاطفة: "كنت أختار الصمت خوفاً من الفضيحة، لكن سكوتي كان يمنح المتحرشين دافعاً أكبر للاستمرار، فبدأت أحتج بصوت عالٍ".

ويرى باحثون أن هذه الحالات ليست فردية، بل نتيجة منظومة ثقافية تلقي باللوم على المرأة وتُحوّلها من ضحية إلى متهمة، بينما تمنح الرجل تبريرات اجتماعية تعفيه من المساءلة.

قانون بلا فاعلية

توضح الطالبة الجامعية في الحقوق، رويا. ح، أن النصوص القانونية الخاصة بمعاقبة المتحرشين تبقى حبراً على ورق، لأن الشكوى مرهقة: "أول ما يُطلب من الضحية وجود شهود، ثم تدخل في بيروقراطية طويلة تجعل كثيرات يتراجعن". 

وتشير إلى أن غياب العقوبات الصارمة عند سحب الشكاوى يكرس فعلياً حصانة للجناة.. هذا الخلل القانوني، بحسب ناشطين، يكشف أن النظام القضائي ما يزال ينظر إلى التحرش كونه قضية ثانوية لا جريمة تمس الكرامة الإنسانية.

وفي شهادتها، تروي ليلى. س (43 عاماً) كيف فقدت عملها بعد أن اعترضت على تحرش متكرر من زميل. بدلاً من محاسبة المعتدي، اتهمها المدير بأنها "أعطت إشارات خاطئة". 

وتمّت تبرئة الجاني بعبارة مألوفة: "هي مثل أختي".. هذه الحيلة اللفظية، كما يوضح خبراء علم النفس، ليست بريئة، بل وسيلة لإرباك الضحية وزرع الشك في نفسها، ودفعها إلى التراجع عن المطالبة بحقها.

التحرش داخل العائلة

تقول الاختصاصية النفسية آرزو. م إن كثيراً من حالات التحرش بالأطفال تحدث داخل الأسرة نفسها، مضيفة: "يستخدم المعتدي كلمات مثل ابنتي أو أختي غطاء لممارسة أفعال شائنة، مستفيداً من الثقة المفترضة داخل البيت". 

هذه الظاهرة، التي يصعب كشفها بسبب الحواجز الاجتماعية والخوف من الفضيحة، تمثل أحد أخطر أشكال العنف الجنسي المسكوت عنه.

لا يقف التبرير عند حدود القانون والعائلة، بل يتعزز بالصور النمطية التي يروج لها الإعلام والخطاب الرسمي، فحتى ارتداء الحجاب يتحول إلى ذريعة. 

تقول بريا. م إنها تعرضت للتحرش من سائق أجرة، وعندما هددته بالشكوى رد قائلاً: "سأقول إنني فقط نبهتك للحجاب"، هذه الحيلة تكشف كيف تُستخدم المعايير الدينية أو الاجتماعية سلاحاً دفاعياً للمعتدين.

كابوس الأيدي المتحرشة

من الحافلات إلى أماكن العمل وحتى داخل المنازل، يتكرر المشهد ذاته.. نساء يواجهن أيادي متحرشة ومجتمعاً يصمت، بل ويُبرر، وبينما تعجز القوانين عن توفير حماية فعلية، يجد الجناة في الأعراف السائدة غطاءً كافياً لممارسة العنف الجنسي دون خوف من العقاب. 

إن "الأيدي" التي تحدث عنها مالابارته لم تتوقف يوماً، لكنها لم تعد جزءاً من ذاكرة الحرب فقط، بل واقع يومي يطارد النساء في حياتهن العادية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية