تعليق لمّ الشمل.. أوروبا تفصل العائلات وتخاطر بحق الأطفال في حياة أسرية آمنة

تعليق لمّ الشمل.. أوروبا تفصل العائلات وتخاطر بحق الأطفال في حياة أسرية آمنة
البرلمان الألماني- أرشيف

وقف أحمد شيخ علي أمام البرلمان الألماني في يونيو محاولًا حبس دموعه وهو يحمل صورة ضبابية لابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات، أكّد شيخ علي أنه بذل كل ما في وسعه لتأمين مستقبل آمن لابنه بعد فراره من حلب قبل أكثر من عامين، متحدثًا عن الانتقال إلى هانوفر والحصول على عمل بدوام كامل وخوض معركة طويلة من الأوراق الرسمية لتتمكن زوجته وابنه من الانضمام إليه.

واجه علي صعوبة بالغة مع وجود حالتين فقط أمامه في قائمة الانتظار، قبل أن يقرّ مجلس النواب الألماني مشروع قانون لتعليق لمّ شمل العائلات للمهاجرين الحاصلين على "الحماية الثانوية" لمدة عامين على الأقل، وفقا ما ذكرته صحيفة "الغارديان"، اليوم الاثنين.

وقال علي للصحفيين وهو ينهار بالبكاء: "منذ أن علمتُ بهذا القرار، لا أستطيع النوم، ولا أستطيع مواصلة حياتي.. كان ابني يزحف عندما تركته أما الآن فهو يمشي"، أشار هذا الموقف إلى الصدمات النفسية العميقة التي يعانيها الأطفال والبالغون على حد سواء نتيجة الانفصال الطويل عن أحبائهم.

تأثير القيود الأوروبية

أوضح الناشطون أن الإجراءات الأخيرة ليست سوى جزء من حملة أوسع من قبل السياسيين الأوروبيين للظهور بمظهر المتشدد تجاه الهجرة، مؤكدين أن التركيز على لمّ شمل الأسر يُعد مضلّلًا.

وقالت مسؤولة منظمة "إنقاذ الطفولة" في أوروبا، فيديريكا توسكانو: "هذا غير منطقي حقًا، لدينا سياسيون يدّعون بفخر رغبتهم في جعل الهجرة أكثر قابلية للإدارة، وأكثر عدالة، وأكثر تنظيمًا وتخطيطًا.. لمّ شمل الأسر هو أحد أكثر الطرق تخطيطًا وأمانًا قانونيًا، وأكثرها تعزيزًا للاندماج لاستقبال طالبي الحماية".

وعلّقت النمسا مؤقتًا لمّ شمل أسر اللاجئين في مارس، مشيرة إلى إرهاق الخدمات الاجتماعية، وسرعان ما تبعها سياسيون في ألمانيا والبرتغال وفنلندا وبلجيكا.

وأكدت توسكانو أن هذه القيود تتعارض مع الحق في الحياة الأسرية المنصوص عليه في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، قائلة: "وحدة الأسرة قيمة في مجتمعنا، ولكن عندما يتعلق الأمر بالعائلات الأجنبية يبدو أن هذا الأمر يفقد أهميته وقيمته".

وأظهرت دراسة حديثة أجرتها "إنقاذ الطفولة" في فنلندا أن متوسط مدة عملية لمّ الشمل يصل إلى ست سنوات ونصف، فيما تقضي بعض العائلات ما يصل إلى عشر سنوات في طي النسيان، وأوضحت أن عملية الانفصال الطويلة تسبب صدمات نفسية للأطفال وتزيد من معاناتهم.

برامج لمّ الشمل

أشار تقرير "الغارديان" إلى أن عدد الأشخاص الذين وصلوا إلى النمسا عبر برامج لمّ الشمل في عامي 2023 و2024 بلغ حوالي 18 ألف شخص، من بينهم نحو 13 ألف طفل، عاش العديد منهم سنوات طويلة ومؤلمة من الانفصال عن أحد الوالدين.

وحذّر مسؤول منظمة "عمل اللاجئين في فلاندرز"، توماس ويليكينز، من أن الإجراءات الجديدة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تعزز شبكات التهريب والإجرام التي يسعى الاتحاد الأوروبي لمحاربتها.

وأضاف ويليكينز: "في ظل قلة الخيارات الأخرى، قد يقرر الناس اللجوء إلى الطرق غير النظامية، وربما اللجوء إلى مهربي البشر"، ولاحظ المسؤولون وجود تناقض بين سياسات السياسيين الذين يدّعون الالتزام بالحياة الأسرية وبين فرض قيود على لمّ الشمل لفئة معينة.

ووفقا لـ"أسوشيتد برس" صوّت مجلس النواب الألماني يوم الجمعة على تعليق لمّ شمل العائلات لمدة عامين للمهاجرين الحاصلين على الحماية الثانوية بأغلبية 444 صوتًا مقابل 135 صوتًا.
وأوضح وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت أن هذا القرار سيخفض عدد الأشخاص الذين يمكنهم القدوم إلى ألمانيا سنويًا بمقدار 12 ألف شخص، معتبرًا أن ذلك "يكسر نموذج عمل" المهربين.

وتشمل هذه الإجراءات أكثر من 380 ألف شخص يعيشون في ألمانيا، معظمهم من السوريين الذين حصلوا على وضعية حماية تمنح الإقامة القانونية للأشخاص الذين لا تنطبق عليهم شروط اللجوء، وقد يواجهون أضرارًا جسيمة في حال إعادتهم إلى بلدهم الأصلي.

الجدل السياسي والمجتمعي

أوضح نواب المعارضة الليبرالية أن هذه الخطوة تشكل "هجومًا على جوهر المجتمع وعلى قيمة محورية حقيقية، هي الأسرة"، فيما وصف حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف هذه الإجراءات بأنها خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح، وفقاً لـ"أسوشيتد برس".

استمرت الحكومات الألمانية على مدى سنوات في مواجهة ضغوط للحد من الهجرة بسبب امتلاء الملاجئ، مع اتخاذ إجراءات تفتيش على الحدود، وقد انخفضت طلبات اللجوء من 329120 طلبًا في عام 2023 إلى 229751 طلبًا في العام الماضي، واستمرت في الانخفاض هذا العام.

من جانبه، أكد خبراء حقوق الإنسان أن تعليق لمّ الشمل يعيد النقاش حول الالتزام بالقوانين والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحق الحياة الأسرية، ويثير تساؤلات جدية حول حماية الأطفال والبالغين على حد سواء.

وأشاروا إلى أن الانفصال الطويل والعشوائي للأسرة يزيد من المخاطر النفسية والاجتماعية، ويضع العائلات في مواجهة صعبة مع الواقع القانوني والسياسي في أوروبا.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية