اليوم الدولي لمناهضة التجارب النووية.. بين ذاكرة الضحايا وتعثر العدالة الدولية
يحتفل به 29 أغسطس من كل عام
في التاسع والعشرين من أغسطس من كل عام، يقف العالم لإحياء اليوم الدولي لمناهضة التجارب النووية، الذي أقرّته الأمم المتحدة بقرارها رقم 64/35 في عام 2009، ليصبح مناسبة دولية لتسليط الضوء على المخاطر الإنسانية والبيئية والأمنية التي خلّفتها التجارب النووية منذ منتصف القرن العشرين.
ويأتي إحياء هذا اليوم في عام 2025 في ظلّ سياقات عالمية بالغة التعقيد: تصاعد سباق التسلّح، وتجدد المخاوف من انهيار منظومة الأمن الجماعي، وتزايد التهديدات المناخية التي تجعل من كل كارثة نووية محتملة مضاعفًا مروّعًا للأزمات الإنسانية.
ذاكرة محفورة في جسد الإنسان والبيئة
منذ أول تفجير نووي في صحراء نيومكسيكو عام 1945، تواصلت سلسلة من التجارب النووية في المحيطات والصحارى والجبال، خلّفت وراءها إرثًا من الموت البطيء والمعاناة الصحية لملايين البشر، حيث نُفذت أكثر من 2000 تجربة نووية حول العالم خلال العقود الماضية، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، كان أثرها مدمّرًا على السكان الأصليين في جزر المحيط الهادئ، وعلى القرى المحيطة بمواقع التجارب في الاتحاد السوفيتي السابق، وكذلك على آلاف الجنود الذين استُخدموا كـ"عينات بشرية" لقياس أثر الإشعاع.
لا تزال شهادات الناجين من تجارب موقع سيميبالاتينسك في كازاخستان تثير القشعريرة: أطفال وُلدوا بتشوّهات، ومجتمعات عانت من السرطان بنسب تفوق المتوسط العالمي بعشرات المرات، وأراضٍ ملوثة بالإشعاع لم تعد صالحة للحياة، هذا الإرث الكارثي جعل من اليوم الدولي محطة لتجديد الوعي بأن الضحايا لم يغادروا التاريخ بعد، بل يعيشون بيننا إلى اليوم.
معاهدة الحظر الشامل
منذ اعتماد معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT) عام 1996، بدا أن العالم يقترب من طي صفحة مظلمة من التاريخ، لكن الواقع أثبت أن الطريق لا يزال طويلًا، فحتى اليوم، لم تدخل المعاهدة حيّز التنفيذ بسبب غياب تصديق بعض الدول النووية الكبرى، ما جعلها رهينة الحسابات الجيوسياسية.
ورغم أن معظم الدول التزمت بوقف التجارب رسميًا، فإن تطوير الأسلحة النووية بطرق أخرى، عبر المحاكاة الحاسوبية والتجارب دون حرارية، جعل من مبدأ الحظر الشامل عرضة للتآكل، وهكذا، ظلّ الخطر النووي حاضرًا في المعادلة الدولية، لا سيما مع تعثر مسارات نزع السلاح وتنامي التوترات بين القوى الكبرى.
تؤكد الأمم المتحدة أن هذا اليوم ليس مجرد مناسبة رمزية، بل دعوة متجددة للدول للوفاء بالتزاماتها القانونية والأخلاقية، ومع ذلك، فإن استمرار غياب آلية تنفيذية قوية يترك المعاهدة في موقع "الطموح المؤجل"، في وقت تتصاعد فيه الحاجة الملحة إلى خطوات عملية.
الإنسان في قلب الخطر
تُشكّل التجارب النووية جريمة صامتة بحق الأجيال، فهي لم تدمّر البيئة فحسب، بل قيّدت الحق في الصحة، في الحياة، وفي بيئة آمنة.
شدّد تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أكثر من مرة على أن المجتمعات المتضررة من هذه التجارب ما زالت تواجه التهميش، وأن التعويضات والدعم الصحي لم تكن كافية أو عادلة.
ويواجه ضحايا التجارب النووية ما يشبه "نسيانًا متعمّدًا"، حيث بقيت قضاياهم خارج دائرة الاهتمام الدولي طويلًا، في جزر مارشال، مثلًا، لا يزال السكان يتحدثون عن "مقابر إشعاعية" تهدد حياتهم اليومية، فيما تعجز حكوماتهم عن توفير بدائل آمنة.
تجعل هذه الحقيقة من اليوم الدولي مساحة لإعادة الاعتراف بحق الضحايا في العدالة والجبر، لا مجرد التذكير بالمخاطر النظرية.
يتزامن إحياء يوم 2025 مع عالم يواجه تحديات متشابكة: صراعات إقليمية محتدمة، انهيارات اقتصادية، وتفاقم أزمة المناخ. في هذا السياق، يظهر البعد النووي بوصفه "الخطر الصامت، القادر على مضاعفة الكارثة.
على سبيل المثال يجعل التغير المناخي من أي حادث نووي -سواء تجربة أو تسرباً- مضاعفًا للأزمات البيئية التي تعصف بالكوكب، ووسط هذه الصورة، تحذّر منظمات حقوقية من أن المجتمعات الأكثر هشاشة هي التي ستدفع الثمن أولًا، كما حدث سابقًا مع سكان المناطق القريبة من مواقع التجارب.
كما أن خطاب "التوازن الردعي" الذي تتبناه بعض الدول النووية لا يقدّم أي ضمان إنساني، بل يفتح الباب أمام احتمال الكارثة في أي لحظة، وهنا، يبرز التحدي الحقوقي الأكبر: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يحمي الأجيال المقبلة من خطر لم تصنعه، لكنه يهدد مستقبلها؟
ويبقى اليوم الدولي لمناهضة التجارب النووية هو أكثر من تذكير رمزي، إنه دعوة إلى المحاسبة، تظل هناك حاجة لإعادة فتح الملفات التاريخية، للاعتراف بالضحايا، لتعويض المتضررين، وللتأكيد على أن أي مشروع سياسي أو عسكري لا يمكن أن يعلو على حق الإنسان في الحياة والكرامة، فالتجارب النووية ليست مجرد وقائع ماضية في كتب التاريخ، بل هي جراح مفتوحة، وإن لم تُعالج بالعدالة والمساءلة فستظل تهدد العالم جيلاً بعد جيل.