عدالةٌ مُعلقة ومآسٍ مستمرة.. لماذا تحتاج أفغانستان إلى آلية تحقيق دولية؟

عدالةٌ مُعلقة ومآسٍ مستمرة.. لماذا تحتاج أفغانستان إلى آلية تحقيق دولية؟
عناصر مسلحون من حركة طالبان في أحد شوارع أفغانستان

 

تسجل أفغانستان اليوم تفاقماً خطيراً في أزمات متداخلة تتضمن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وقيوداً منهجية على الحريات الأساسية، وانهياراً إنسانياً يطول ملايين المواطنين، فيما يجتمع مدافعو الحقوق والمنظمات المحلية والدولية حول مطلب واحد متكرر: إنشاء آلية مساءلة دولية مستقلة قادرة على جمع الأدلة وحفظها وتحليلها، تمهيداً لمساءلة مرتكبي الانتهاكات ومنح الضحايا سبل انتصاف حقيقية، وهذه الدعوات لم تعد مطالب طرفية بل تحظى بدعم قرارات أممية وتجاوب من هيئات حقوقية دولية. 

تعاني أفغانستان أزمة إنسانية حادة، حيث تُظهر خطط الاستجابة لعام 2025 أن نحو 22.9 مليون شخص سيحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، بينما تستهدف المنظمات نحو 16.8 مليون فرد لتقديم خدمات عاجلة، وقد وصلت المساعدات إلى نحو 9.3 مليون شخص خلال الأشهر الأولى من العام، والتهجير والعودة القسرية مستمران أيضاً، حيث شهد النصف الأول من 2025 موجات عودة ونزوح تتطلب خطط حماية متجددة، وهذه الأرقام تُترجم معاناة يومية تتجسد في انعدام الأمن الغذائي، انقطاع الخدمات الصحية والتعليمية، وحرمان ملايين الأطفال والنساء من الحقوق الأساسية، وفق موقع "ريليف ويب". 

أسباب الأزمات والآليات المهيمنة على الانتهاكات

تتداخل أسباب أزمة الحقوق في أفغانستان مع المشهد السياسي-الأمني الراهن منذ سيطرة طالبان على مؤسسات الدولة في 2021، فسياسات السلطة الجديدة، بما فيها القيود المنهجية على حقوق النساء والفتيات، وتراجع استقلال القضاء، واستهداف المدافعين عن الحقوق والصحفيين، وما رافق ذلك من عقوبات جماعية وإجراءات انتقامية، شكلت بيئة خصبة لاستمرار الانتهاكات دون مساءلة، إضافة إلى ذلك، تحدّ إجراءات الولوج للمناطق المتضررة وقيود عمل المنظمات الدولية من قدرة أجهزة التوثيق والتحقيق على الوصول إلى الشهود والأدلة. 

توثيق المؤسسات الدولية والمحلية يشير إلى نماذج متعددة من الانتهاكات تشمل اعتقالات تعسفية وعمليات إعدام خارج القضاء، واختفاء قسرياً لعشرات الآلاف، وجرائم جنسية وجنسانية، وتهميشا ممنهجا للأقليات العرقية والدينية، والعقوبات المتشددة على النساء شملت منع التعليم الثانوي والجامعي والعمل وقيوداً صارمة على الحركة العامة، ما دفع بمؤسسات أممية ومنظمات حقوقية إلى وصف الممارسات بأنها تصل إلى نطاق الجرائم ضد الإنسانية في حالات محددة. 

دعوات محلية ودولية لإنشاء آلية مساءلة

أكثر من سبعين منظمة أفغانية وقرابة عشرين منظمة دولية وجهت رسالة مفتوحة إلى دول مجلس حقوق الإنسان تطالب بإنشاء آلية مستقلة للمساءلة في أفغانستان، وتؤكد أن مثل هذه الآلية ستكون محوراً أساسياً لكسر ثقافة الإفلات من العقاب وتمكين الضحايا من سبل إنصاف فعّالة، والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بأفغانستان ومقررات مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة قد سجلت في نصوصها الحاجة إلى ضمان قدرة عملية على جمع الأدلة وتحليلها بما يسمح بإجراءات قضائية لاحقة. هذه الخطوات تتقاطع أيضاً مع مناشدات هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى لتكثيف العمل الدولي بشأن توثيق الجرائم. 

تطورات قانونية دولية وتأثيرها المحتمل

اتخذت محاور قانونية دولية مواقف فعلية مؤخرًا، منها إصدار مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية في يوليو 2025 بحق قائدين من طالبان بتهم اضطهاد النساء والفتيات وغيرها من الجرائم يعد مؤشراً على أن المسار القضائي الدولي قد يتحرك، لكنه لا يغني عن آليات أعمق لجمع الأدلة الوطنية والمحلية، وتهدف آليات المساءلة المقترحة لأن تُكمل جهود المحكمة الدولية والمحاكم الوطنية والولايات التي تملك قواعد اختصاص عالمية، عبر توثيق منهجي قابل للإحالة القضائية.

عوائق التنفيذ والسياسة الواقعية

ثمة عقبات ضخمة أمام آلية فعّالة: رفض السلطات الفعلية في كابل التعاون، حساسية المشهد الدبلوماسي بين الدول، وترتيبات التمويل والدعم التقني للآلية، وكذلك يطرح انقسام مواقف الدول مسألة التطبيق، إذ تحتاج مبادرة المساءلة إلى إجماع سياسي كافٍ أو على الأقل دعم متعدد الأطراف يوفر صلاحيات وتقنيات عمل معتبرة. أخيراً، حماية الشهود والضحايا في بيئة قمعية تشكل تحدياً عملية للموثوقية والجرأة في الإدلاء بالشهادات. 

كل يوم تأخير في إنشاء آلية تحفظ الأدلة يعني فقدان فرص ثمينة لوثائق وشهادات قد تُحسم قضايا مستقبلية؛ كما يستمر الإفلات من العقاب في تغذية دوائر العنف والتشظّي الاجتماعي، وفشل المجتمع الدولي في التحرك يؤدي إلى تكريس إحساس بالإهمال لدى الضحايا وأسرهم، ويزيد من هشاشة البنى المجتمعية، ويقوّي روافد التطرف والعنف بدل أن يكسرها. 

مقترح أداء آلية المساءلة ووظائفها الأساسية

تدعو المنظمات إلى أن تتضمن الآلية تحرير وتوحيد الأدلة، وحفظ قواعد بيانات آمنة، وإجراء مقابلات بشهود بصورة تحترم أمنهم، وإعداد ملفات قابلة للاستخدام أمام المحاكم الوطنية والدولية، وتقديم توصيات لسبل الجبر والعدالة الانتقالية، ويجب أن تُصمم الآلية بمنظور جنساني وخصوصية الطفولة، وأن تُنشَط بشراكات مع المجتمع المدني الأفغاني مع ضمان موارد مالية وتقنية مستقرة، بحسب منظمة العفو الدولية.

وفق منظمة الأمم المتحدة تواجه أفغانستان اختباراً أخلاقياً وقانونياً، فهل سيكون التصريح الدولي مجرد توثيق إضافي أم بداية لعملية موسعة لوقف الإفلات من العقاب ومنح الضحايا حقهم في العدالة؟ فإنشاء آلية مستقلة للمساءلة ليس خياراً تقنياً فحسب، بل خطوة إنسانية تستلزم التزاماً عملياً من الدول والمنظمات لتمكين الناس من استعادة كرامتهم وحقوقهم. 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية