أوروبا تُعيد فتح ملف تقاسم عبء الهجرة وسط استعدادات لتوطين آلاف اللاجئين
أوروبا تُعيد فتح ملف تقاسم عبء الهجرة وسط استعدادات لتوطين آلاف اللاجئين
أعلنت المفوضية الأوروبية شروع الاتحاد الأوروبي في تنفيذ آلية جديدة تقضي بمساعدة دول الجنوب الأوروبي، وفي مقدمتها إيطاليا وإسبانيا واليونان وقبرص، من خلال إعادة توطين ما لا يقل عن 30 ألف طالب لجوء سنوياً، في خطوة تعكس حجم الضغط المتزايد الناتج عن موجات الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط.
ويأتي هذا الإعلان إذ تواصل هذه الدول استقبال الأعداد الكبرى من الوافدين، ما يجعلها -بحسب بروكسل- "بوابات مرهقة" تحتاج إلى دعم عاجل حتى لا تنهار أنظمة الاستقبال فيها.
وأشارت وكالة الأنباء الفرنسية، الخميس، إلى أن هذا القرار فُرض على المفوضية الأوروبية بعد أسابيع من النقاشات الحادة بين الدول الأعضاء الـ27، حيث يرفض العديد منها استقبال مهاجرين على أراضيه، ويفضّل الاكتفاء بتقديم إسهامات مالية فقط.
وتؤكد المصادر أن المفوضية كانت تستعد لإعلان القرار الشهر الماضي، لكن الخلافات بين العواصم الأوروبية عطّلت صدوره.
نظام تضامن جديد
يُدخل الاتحاد الأوروبي قريباً إصلاحاً جوهرياً على سياسة الهجرة واللجوء، تم اعتماده عام 2024، يقوم على نظام "تضامن إلزامي مرن" يمنح الدول الأوروبية خيارين، إما استقبال عدد من طالبي اللجوء من دول الضغط، أو تقديم إسهام مالي يعادل 20 ألف يورو عن كل شخص ترفض استقباله.
ويهدف هذا النظام إلى تخفيف العبء عن دول المتوسط التي تواجه -منذ سنوات- ارتفاعاً غير مسبوق في عمليات العبور، خاصة بعد تكثيف عمليات البحث والإنقاذ في البحر.
وتؤكد المفوضية الأوروبية في بيانها أن اليونان وقبرص تتحملان "ضغوط هجرة شديدة" بسبب عدد الوافدين الذي ارتفع بشكل غير متناسب خلال العام الماضي. وتشير أيضاً إلى أن إيطاليا وإسبانيا تواجهان موجات شبيهة نتيجة عمليات الإنقاذ البحري المكثفة في المتوسط، ما خلق اختناقات كبيرة في مراكز الاستقبال.
وقد أعلنت عدة دول أوروبية أنها لن تستقبل أي شخص ضمن آلية التضامن الجديدة، وستكتفي بالإسهام المالي، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى فعالية الخطة وقدرتها على معالجة جذور الأزمة.
التصنيف داخل الاتحاد
تنافست الدول الأعضاء لأشهر للدخول في قائمة الدول "المتعرضة لضغط هجرة" لأن ذلك يمنحها تخفيضاً في التزاماتها. ووفق ما كشفه المفوض الأوروبي لشؤون الهجرة السويدي ماغنوس برونر، فقد تم تقسيم الدول الأوروبية إلى 3 فئات:
1. دول تتحمل ضغطاً شديداً، وتضم: إيطاليا – إسبانيا – اليونان – قبرص، وهذه الدول هي المستفيدة من عملية إعادة التوطين.
2. دول تعاني من "أوضاع هجرة خطيرة"، وهي 6 دول يمكن إعفاؤها كلياً أو جزئياً، وهي بلغاريا – التشيك – إستونيا – كرواتيا – النمسا – بولندا، ويعود ذلك إلى الضغوط المتراكمة على أنظمة استقبالها خلال 5 سنوات.
3. دول "معرّضة للخطر"، وهي فرنسا – ألمانيا – بلجيكا – فنلندا – أيرلندا – لاتفيا – ليتوانيا – هولندا، وهذه الدول قد لا تُعفى من الالتزامات لكنها ستحصل على مساعدة تشغيلية ومالية.
تجربة ضعيفة في الماضي
تشير الأرقام الأوروبية السابقة إلى أن آلية التضامن التي طُبقت بين 2022 و2023 فشلت في تحقيق أهدافها، إذ لم يُنقل سوى 1500 طالب لجوء فقط رغم أن الهدف كان 8000.
وتمت عمليات النقل الثلاثون تلك بين دول "ميد 5" (إسبانيا، اليونان، قبرص، إيطاليا، مالطا) إلى دول مثل ألمانيا وفرنسا ولوكسمبورغ وبلغاريا ورومانيا وفنلندا والبرتغال وكرواتيا.
وتعمل الدول الأوروبية بالتوازي على إصلاح "توجيه العودة"، وهو التشريع الذي ينظم إعادة طالبي اللجوء المرفوضين إلى بلدانهم، وهو ملف يثير غضباً شعبياً متزايداً.
وفي 10 سبتمبر، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن "20% فقط" من المرفوضين يغادرون فعلياً، معتبرةً أن هذا الوضع "غير مقبول" ويتطلب اتفاقاً أوروبياً سريعاً.
وتحذر فون دير لاين من أن غياب نظام فعّال لإعادة المرفوضين يولّد شعوراً واسعاً لدى الأوروبيين بأن "القواعد تُنتهك"، ما يغذي صعود اليمين المتطرف ويضغط على الحكومات لتشديد سياسات الهجرة.
تضامن أم إدارة أزمة؟
تكشف التحركات الأوروبية الأخيرة أن الاتحاد بات أمام خيارين: إما بناء نظام تضامن حقيقي بين دوله، أو الاكتفاء بتبادل الاتهامات واللجوء إلى الحلول المالية لتجنب استقبال المهاجرين.
ومع اقتراب موعد اتخاذ القرار النهائي قبل نهاية ديسمبر المقبل، يبقى السؤال: هل ستنجح بروكسل هذه المرة في فرض آلية فعّالة، أم تتكرّر تجربة 2023 الفاشلة؟










