الحق في التمثيل والوصول.. المحكمة العليا البريطانية تُبقي تمثيل المحاميات دون الربع منذ 2009
أقل من 700 امرأة من أصل 2600 محامٍ
تُظهر أرقام تمثيل المحاميات أمام المحكمة العليا البريطانية فجوة حقوقية مستمرة في الوصول إلى مواقع النفوذ داخل العدالة، حيث ظل حضور النساء في قضايا أعلى محكمة في المملكة المتحدة محدوداً رغم اتساع قاعدة النساء داخل مهنة المحاماة.
تكشف هذه الفجوة، وفق ما ذكرته صحيفة "فايننشال تايمز" في تقرير لها، الأحد، أن المساواة المهنية داخل قطاع القانون لا تُقاس بعدد المحاميات داخل المكاتب أو في قوائم المهنة، بل تُقاس بمن يحظى بالفرصة في القضايا "المرموقة" التي تحدد السوابق وتعيد تفسير القانون وتؤثر في المجتمع بأكمله.
تضع هذه المؤشرات سؤالاً مباشراً أمام منظومة العدالة: لماذا لا ينعكس اتساع مشاركة النساء في المهنة على تمثيلهن في القضايا الأكثر تأثيراً، وفي المحكمة التي تعيد صياغة حدود الحقوق عبر أحكامها؟
تؤكد الصحيفة أن تمثيل المحاميات أمام المحكمة العليا لم يشهد تغيراً حقيقياً على مدى 17 عاماً، وأن نسبة المحاميات اللاتي قدمن قضايا أمام أعلى محكمة في المملكة المتحدة بلغت 23% في عام 2025، بعد أن كانت 21% في عام 2024، لكنها تبقى أقل من مستوى عام 2009، وهو عام إنشاء المحكمة.
وتذكر الصحيفة أيضاً أن نسبة المحاميات لم تتجاوز 26% في أي عام منذ تأسيس المحكمة، رغم أن نسبة المحاميات في إنجلترا وصلت هذا العام إلى نحو 40% مقارنة بـ32% قبل عقدين، وفقاً لمجلس معايير المحامين باعتباره هيئة تنظيمية.
حجم التناقض
وتُبرز هذه الأرقام حجم التناقض بين "التمثيل العام" و"التمثيل في القمة"، وتدفع إلى إعادة تعريف معنى التقدم داخل المهنة: فوجود النساء بنسبة 40% داخل قطاع المحاماة لا يُترجم إلى حضور يقترب من النصف داخل المحكمة العليا، بل يُترجم إلى سقف لا يتحرك فعلياً عن حدود الربع.
وتصبح المحكمة العليا مثالاً على فجوة رأسية لا أفقية، حيث تبدو النساء حاضرات في القواعد لكنهن غائبات عن ساحات النفوذ التي تصنع الأحكام الأكثر تأثيراً.
وتُضيف البيانات بعداً أكثر حدة حين تربط التمثيل بلقب “مستشار الملك” ”KC"، وهو اللقب الرفيع الذي يُمنح لكبار المحامين، والذي تُدار من خلاله تقريباً جميع قضايا المحكمة العليا في بريطانيا.
وتذكر البيانات أن متوسط نسبة المحاميات الحاصلات على هذا اللقب انخفض من 23% إلى أقل من 15% على مدار تاريخ المحكمة، ما يعني أن عدد النساء اللاتي يترأسن القضايا في أعلى محكمة في المملكة المتحدة أقل من نسبة الحضور العام للمحاميات أمامها.
تُظهر هذه الفجوة أن المشكلة لا تتعلق فقط بالحضور بوصفه طرفاً أو عضواً في فريق، بل تتعلق بمن يقود الملف ومن يملك الكلمة العليا في رسم الاستراتيجية القانونية أمام القضاة.
تعمل المحكمة العليا وفق آلية لا تسمح بالوصول إليها تلقائياً عبر رغبة العملاء؛ لأن القضايا لا تُرفع إليها مباشرة كما هي الحال في المحاكم الدنيا، وهو ما يضع الوصول أمام معيار شديد الانتقائية.
وتذكر "فايننشال تايمز" أن المحكمة لا تنظر إلا في القضايا التي ترى أنها تتضمن نقطة قانونية قابلة للنقاش في مسألة ذات أهمية عامة، ما يجعلها مساحة محدودة للغاية لا يحظى بالترافع أمامها سوى عدد مختار، حتى من بين أفضل المحامين.
تُنتج هذه الطبيعة الانتقائية سوقاً داخلية للخبرة، حيث تتحول السوابق المهنية إلى مفتاحٍ وحيد للعبور، ويصبح من ترافع سابقاً هو الأكثر قابلية للاختيار مرة أخرى.
وتبدو هذه الحلقة أكثر وضوحاً في شهادة المحامية الحاصلة على لقب مستشارة الملك كارون موناغان التي مثلت أمام المحكمة العليا في 20 قضية، وهو أكبر عدد من القضايا مثلته أي امرأة.
وتقول موناغان إن كثرة العمل في المحكمة العليا تجعل الناس يرغبون بك أكثر لأنك تشعر بالراحة في هذا المكان، لكنها تحذر من أن ذلك قد يُفاقم عدم المساواة ونقص تمثيل المرأة، وتؤكد أن الثقافة "الذكورية" السائدة في مهنة المحاماة بحاجة إلى تغيير لجذب المزيد من النساء.
مسار تراكمي
تتجسد هذه الحلقة كذلك في الأرقام التاريخية، حيث تذكر "فايننشال تايمز" أنه من بين أكثر من 2600 محامٍ شاركوا في قضايا أمام المحكمة العليا منذ عام 2009، كان أقل من 700 منهم من النساء.
وتكشف هذه الحصيلة أن المعوق ليس "سنة بعينها" أو "موسماً" متقلباً، بل مسار تراكمي طويل حافظ على نمط تمثيل منخفض ومحدود، وتُشير هذه الأرقام إلى أن المحكمة العليا، بوصفها نافذة المهنة الأرفع، بقيت طوال 17 عاماً على صلة قوية بشبكات تمثيل ذكورية، تجعل اختراق النساء للمشهد أكثر صعوبة كلما كان الرهان أكبر والملف أكثر تأثيراً.
تُعيد هذه البيانات سؤال "الاختيار" إلى الواجهة، حيث إن الحكومة البريطانية، باعتبارها الجهة الأكثر تقاضياً أمام المحكمة، يمكن أن تؤثر في التمثيل القانوني، وتوضح الصحيفة أن كبير مستشاري الخزانة والمحامي المعتمد للحكومة في التقاضي المدني السير جيمس إيدي مثل أمام المحكمة العليا في 89 قضية، وهو أكبر عدد من القضايا يمثله أي محامٍ.
وتبرز هنا دلالة النفوذ المؤسسي في صناعة الوجوه المتكررة داخل المحكمة: فحين تتكرر الأسماء ذاتها عبر القضايا الحكومية، تتجذر صورة "الخبير المعتاد" الذي يُعاد اختياره مرة بعد مرة.
تربط الصحيفة بين هذا النفوذ وبين محاولة تغيير حديثة، إذ تذكر أن المدعي العام لإنجلترا وويلز اللورد ريتشارد هيرمر، منذ توليه منصبه عقب فوز حزب العمال بالسلطة في يوليو 2024، شكّل في الشهر الماضي لجنة جديدة من ستة محامين بارزين لدعم إيدي، ثلاثة منهم من النساء.
وتنقل الصحيفة عن هيرمر قوله إن ضمان أن يعكس المحامون الذين توكلهم الحكومة تنوع المواطنين الذين تخدمهم مسألة مهمة، وأن ذلك يؤدي إلى تجارب مختلفة ونتائج فضلى، مع اعتراف بأن المؤسسات لم تكن دائماً على صواب في هذا الأمر.
وتكشف التجربة التي تقدمها صحيفة "الغارديان" عن مستوى آخر من المشكلة: مستوى الثقافة المؤسسية والاجتماعية داخل قطاع القانون، حيث لا تُواجه النساء فقط صعوبة الوصول إلى القضايا العليا، بل يواجهن أيضاً ضغطاً يومياً يشعرهن بأنهن دخيلات في بيئة صُممت على مقاس نمط اجتماعي واحد.
وتعرض الصحيفة سيرة المحامية المتخصصة في قانون الأسرة شارلوت براودمان باعتبارها مثالاً على محامية جعلتها مواجهتها لكراهية النساء داخل النظام القانوني في صدام مباشر مع قطاعات من المهنة، لكنها لم تتراجع لأنها لا تهتم -وفق وصف الصحيفة- إلا برأي النساء والأطفال الذين تدافع عنهم في محاكم الأسرة.
تُظهر "الغارديان" كيف يتحول المكان إلى رسالة ضمنية: إذ تصف براودمان قاعات طعام ميدل تمبل بأنها "بحر من الرجال الشاحبين" في بدلات متشابهة وخلفيات اجتماعية متقاربة، وتقول إن كونها امرأة يجعلها لافتة للنظر، وتشعر أن المكان "بؤرة من النخبوية المؤسسية".
وتربط الصحيفة هذا الإحساس بما عاشته الرئيسة السابقة للمحكمة العليا البارونة بريندا هيل عندما انتقلت من يوركشاير إلى لندن ووجدت نفسها محاطة برجال أطلقت عليهم سراً "شباب الطبقة الراقية"، أي محامين من مدارس داخلية ثم أكسفورد وكامبريدج ثم نقابات لندن.
وتنقل "الغارديان" عن براودمان أنها واجهت تحرشاً من محامين ذكور، وأن القطاع لم يشهد بعد محاسبة حقيقية لحركة MeToo، وتستشهد الصحيفة ببحث يشير إلى أن أربعاً من كل عشر محاميات تعرضن للتحرش الجنسي.
ثم تُدرج الصحيفة أرقاماً توضح التفاوت داخل المهنة: تبلغ نسبة المحاميات 41%، لكنهن لا يمثلن سوى 21% من كبار المحامين، وتتقاضى المحاميات المبتدئات في المتوسط 77%، ما يتقاضاه المحامون المبتدئون، في حين تتقاضى المحاميات الحاصلات على لقب كبير المحامين 67% فقط مما يتقاضاه زملاؤهن الرجال.
وتذكر أن عام 2024 شهد أن 62% من قضاة المحاكم في إنجلترا وويلز كانوا من الرجال، وارتفعت النسبة إلى 69% في المحكمة العليا و75% في محكمة الاستئناف.
العقاب المهني وحرية التعبير
يتجاوز أثر هذه البيئة حدود الشعور بالغربة إلى العقاب المهني حين تُحاول محامية فضح التحيزات داخل المؤسسة، حيث فتح مجلس معايير المحامين إجراءات تأديبية ضد براودمان بسبب سلسلة تغريدات انتقدت فيها حكماً أصدره القاضي السير جوناثان كوهين، بحجة أن تغريداتها عكست بشكل غير دقيق قرار قاضٍ في قضية كانت هي موكلة بها، وأنها تصرفت بطريقة قد تُضعف ثقة الجمهور بها وبالمهنة.
وتوضح أن براودمان واجهت تهديد الإيقاف عن العمل لمدة 12 شهراً وغرامة قدرها 50 ألف جنيه إسترليني، لكن في ديسمبر وبعد ثلاث سنوات أُسقطت جميع التهم وأُغلقت القضية، وقضت اللجنة بأن تغريداتها محمية بموجب قواعد حرية التعبير، وأنها لم تُلحق ضرراً جسيماً بالقضاء، قبل أن ترفع براودمان دعوى قضائية ضد مجلس معايير المحامين.
تُقر المحكمة العليا، وفق ما تنقله "فايننشال تايمز"، بأنها لا تتدخل في اختيار المحامين الذين يمثلون أمامها، لكنها تؤكد أنها تدعم التنوع والشمول وتقول إنها تُحرز تقدماً، مع دعوة إلى عمل جماعي لتسريع التغيير.
وتُظهر الصحيفة أن رئيس المحكمة العليا اللورد روبرت ريد علّق في أكتوبر على مشهد شغلت فيه المحاميات الصف الأمامي بأكمله، قائلاً إنها المرة الأولى التي يشهد فيها ذلك، كما ذكر أنه في عام 2024 تتوقع المحكمة الاستماع إلى المحامين المبتدئين بشكل متكرر لتعزيز الخبرة والتنوع، مع صدور توجيه مشابه للمحاكم الدنيا في 2023.
مستقبل القضاء
وتُحذّر الأرقام في النهاية من أن الأزمة ليست فقط أزمة تمثيل، بل أزمة مستقبل القضاء البريطاني نفسه، وتذكر فايننشال تايمز أن قلة المحاميات في القضايا الكبرى قد تؤثر سلباً في التنوع داخل السلطة القضائية لأن القضاء غالباً ما يختار القضاة من بين المحامين.
وتذكر الصحيفة أن هيئة المحكمة العليا الحالية المكونة من 12 قاضياً تضم امرأتين، وأن خمس قاضيات فقط شغلن منصب القاضية من أصل 33 قاضياً منذ 2009، وأن إحدى أولاء القاضيات، القاضية البارونة بريندا هيل، ترأست المحكمة بين 2017 و2020.
وتختتم الصحيفة بتصريح المحامي لورانس رابينوفيتز الذي يرى أن الوضع مخيب للآمال وأن هناك مشكلة واضحة، وأن الجهود المبذولة لم تصل بعد إلى المستوى المنشود.










