وسط احتجاجات متواصلة.. طهران تنفذ حكم الإعدام بحق مدان بالتجسس لصالح إسرائيل
وسط احتجاجات متواصلة.. طهران تنفذ حكم الإعدام بحق مدان بالتجسس لصالح إسرائيل
نفذت السلطات الإيرانية صباح الأربعاء حكم الإعدام بحق رجل أدين بالتجسس لصالح إسرائيل، في خطوة تعكس تشابك الملفات الأمنية والسياسية في البلاد، وتأتي في توقيت بالغ الحساسية مع اتساع رقعة الاحتجاجات الداخلية واحتدام التوتر مع تل أبيب.
وأثار القرار تفاعلاً واسعاً داخل إيران وخارجها، وفتح الباب أمام تساؤلات حول دلالاته وتوقيته في ظل مناخ إقليمي متوتر وتظاهرات داخلية متواصلة منذ 10 أيام.
وبحسب ما نقلته وكالة فرانس برس، عن موقع ميزان أونلاين التابع للسلطة القضائية الإيرانية، تم تنفيذ حكم الإعدام بحق علي أردستاني بعد إدانته بالتجسس لصالح جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي المعروف بالموساد، من دون أن توضح السلطات تاريخ توقيفه أو تفاصيل محاكمته، مكتفية بالإشارة إلى تنفيذ الحكم في ساعات الصباح الأولى.
حكم في توقيت حساس
جاء إعلان الإعدام في وقت تشهد فيه إيران احتجاجات متواصلة انطلقت في 28 ديسمبر من قلب بازار طهران، على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات التضخم، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى من البلاد وتتخذ طابعاً سياسياً أكثر وضوحاً، وهذا التزامن جعل كثيرين يربطون بين الإجراء القضائي والمشهد الداخلي المحتقن، رغم نفي السلطة القضائية وجود أي صلة مباشرة بين الإعدام والتظاهرات.
وخلال الأيام الأخيرة تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن توقيف أشخاص قدموا على أنهم مرتبطون بجهاز الموساد، في سياق ما تصفه طهران بحرب استخباراتية مفتوحة مع إسرائيل، وفي المقابل لم تعلن السلطات تفاصيل إضافية حول طبيعة الشبكات المزعومة أو حجم نشاطها داخل البلاد، ما زاد من الغموض المحيط بهذه الملفات.
وتزامن ذلك مع دعوة علنية صدرت عن الموساد باللغة الفارسية عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، حث فيها المتظاهرين الإيرانيين على تكثيف حراكهم الاجتماعي، مؤكداً وقوفه إلى جانبهم. هذه الرسالة اعتبرتها طهران دليلاً إضافياً على ما تصفه بتدخل خارجي يسعى إلى استغلال الاحتجاجات لضرب الاستقرار الداخلي.
رغم هذا المناخ المشحون، شددت السلطة القضائية الإيرانية على أن تنفيذ حكم الإعدام جاء في إطار مسار قضائي مستقل، وأنه لا يرتبط بالأحداث الجارية في الشارع، إلا أن توقيت الإعلان، في ذروة الاحتجاجات، جعل هذا التأكيد موضع تشكيك لدى قطاعات من الرأي العام، خاصة في ظل محدودية المعلومات المتاحة حول القضية.
تصعيد في الخطاب السياسي
على الصعيد السياسي، صعّدت إيران لهجتها تجاه إسرائيل خلال الأيام الماضية، متهمة إياها بالسعي إلى تقويض الوحدة الوطنية الإيرانية، وجاء ذلك رداً على تصريحات لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قال فيها إنه يتضامن مع نضال الشعب الإيراني، في إشارة مباشرة إلى الحركة الاحتجاجية، ورأت طهران في هذه التصريحات تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية ومحاولة لتأجيج الاضطرابات.
تتهم الجمهورية الإيرانية إسرائيل منذ سنوات بتنفيذ عمليات تخريب داخل أراضيها، استهدفت منشآت نووية حساسة، إضافة إلى اغتيال علماء نوويين وقادة عسكريين وشخصيات سياسية، وتؤكد طهران أن هذه العمليات تندرج ضمن حرب خفية تهدف إلى إضعاف قدراتها الاستراتيجية ومنعها من تطوير برنامجها النووي.
في المقابل تلتزم إسرائيل غالباً سياسة الغموض حيال هذه الاتهامات، مكتفية بتأكيد أنها لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وأنها ستتخذ كل ما تراه ضرورياً لحماية أمنها القومي.
تداعيات الحرب القصيرة
لا يمكن فصل التطورات الحالية عن المواجهة العسكرية المباشرة التي اندلعت بين إيران وإسرائيل في يونيو الماضي، واستمرت 12 يوماً، تلك الحرب التي وصفت بأنها غير مسبوقة شهدت هجوماً إسرائيلياً واسعاً على مواقع عسكرية ونووية داخل إيران، إضافة إلى استهداف مناطق سكنية، ما خلف خسائر بشرية ومادية وأعاد شبح الحرب الشاملة إلى المنطقة.
ومنذ ذلك الحين يعيش الإقليم حالة توتر دائم، مع تبادل رسائل ردع وتهديدات غير مباشرة، وتكثيف النشاط الاستخباراتي، ما يجعل أي تطور داخلي في إيران محط أنظار إقليمية ودولية.
وفي الداخل الإيراني ينظر كثيرون إلى تنفيذ حكم الإعدام في هذا التوقيت بوصفه رسالة حزم من الدولة في مواجهة ما تعده تهديدات أمنية، سواء كانت داخلية أو خارجية، وفي المقابل يخشى آخرون من أن يؤدي ذلك إلى زيادة الاحتقان، خاصة إذا فسر على أنه محاولة لردع المحتجين أو إسكات الأصوات المعارضة.
الاحتجاجات التي بدأت بمطالب معيشية تعكس عمق الأزمة الاقتصادية سرعان ما تحولت إلى تعبير عن غضب سياسي أوسع، في بلد يعاني من عقوبات دولية قاسية وضغوط معيشية متزايدة، ومع غياب حلول سريعة تبدو المخاوف قائمة من اتساع رقعة الغضب الشعبي.
وتعيش إيران منذ سنوات على وقع أزمات متداخلة تشمل الاقتصاد والسياسة والأمن، العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي أثقلت كاهل الاقتصاد، وأدت إلى تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، في الوقت نفسه، تخوض طهران صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، يتخذ أشكالاً متعددة من المواجهة غير المباشرة والحرب الاستخباراتية، وصولاً إلى الاشتباك العسكري المحدود كما حدث في يونيو.
وفي هذا السياق المعقد، تأتي قضايا التجسس والأحكام القضائية المشددة لتضيف بعداً جديداً إلى المشهد، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن القومي مع تحديات الاستقرار الداخلي، في لحظة مفصلية قد تحدد مسار البلاد في المرحلة المقبلة.











