رغم هيجان البحر.. تدفق المهاجرين من ليبيا مستمر ويضع السلطات اليونانية تحت الضغط
رغم هيجان البحر.. تدفق المهاجرين من ليبيا مستمر ويضع السلطات اليونانية تحت الضغط
على الرغم من اضطراب البحر والأحوال الجوية القاسية، لم يتوقف تدفق المهاجرين القادمين من ليبيا نحو الجزر اليونانية الجنوبية، في مشهد يعكس حجم اليأس الذي يدفع مئات الأشخاص إلى المجازفة بحياتهم في واحدة من أخطر طرق الهجرة في البحر المتوسط، ففي ساعات الصباح الأولى من اليوم الأربعاء، رُصد قارب جديد يحمل عشرات المهاجرين على أحد شواطئ جزيرة جافدوس الصغيرة، ليضاف إلى سلسلة من الرحلات الخطرة التي لم تمنعها الأمواج العالية ولا التحذيرات المتكررة.
ووفقاً لما أوردته صحيفة كاثيميريني اليونانية اليوم الأربعاء، فقد كان على متن القارب 44 شخصاً جرى نقلهم فور وصولهم إلى ميناء كارافي في الجزيرة، حيث قدمت لهم السلطات المحلية الإسعافات الأولية، إضافة إلى الطعام والماء، بعد رحلة شاقة أنهكت معظمهم جسدياً ونفسياً، بحسب وكالة الأنباء الألمانية.
وصول محفوف بالمخاطر
وصول القارب إلى جافدوس لم يكن حدثاً استثنائياً، بل حلقة جديدة في تدفق متواصل تشهده المنطقة منذ أسابيع، فالجزيرة الواقعة جنوب جزيرة كريت أصبحت محطة أولى للعديد من المهاجرين القادمين من السواحل الليبية، رغم محدودية إمكانياتها وصغر مساحتها، ويؤكد سكان محليون أن مشاهد القوارب القادمة باتت مألوفة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من وقوع حوادث غرق مع استمرار سوء الأحوال الجوية.
بعد تقديم المساعدات الأولية في ميناء كارافي، تقرر نقل المهاجرين بواسطة عبارة بحرية إلى مدينة باليوخورا الساحلية في جنوب منطقة خانيا بجزيرة كريت، ومن هناك، سيتم تحويلهم إلى مركز استقبال مؤقت في منطقة أجيا، وهو المركز الذي يواجه حالياً ضغطاً كبيراً نتيجة الأعداد المتزايدة من الوافدين باتجاه اليونان.
اكتظاظ مراكز الإيواء
مركز الإيواء في أجيا يعاني مرة أخرى من الاكتظاظ، إذ يقيم فيه حالياً 472 مهاجراً جرى إنقاذهم في عمليات سابقة خلال الأيام الماضية، وأمضى هؤلاء قرابة 10 أيام في المركز بانتظار استكمال الإجراءات الإدارية ونقلهم إلى مواقع أخرى، ومع وصول المجموعة الجديدة صباح الأربعاء، من المتوقع أن يتجاوز العدد الإجمالي داخل المركز 510 مهاجرين، وهو رقم يفوق القدرة الاستيعابية المخصصة له.
ويشير عاملون في المجال الإنساني إلى أن الاكتظاظ بالمهاجرين ينعكس مباشرة على نوعية الخدمات المقدمة، سواء من حيث المساحات المخصصة للنوم أو توفر الرعاية الصحية والدعم النفسي، خاصة للأطفال والنساء الذين يشكلون جزءاً من الوافدين.
رحلة الهروب من ليبيا
الرحلة من ليبيا إلى الجزر اليونانية الجنوبية تعد من أخطر مسارات الهجرة في البحر المتوسط، غالبية المهاجرين ينطلقون من السواحل الليبية في قوارب صغيرة ومتهالكة، غالباً ما تكون غير مجهزة لمواجهة الأمواج العالية أو التغيرات المفاجئة في الطقس، ورغم ذلك، يواصل الكثيرون خوض هذه المغامرة هرباً من أوضاع أمنية واقتصادية صعبة، أو من العنف والفقر وغياب الاستقرار في بلدانهم الأصلية.
ويؤكد ناجون من هذه الرحلات أن الخوف من الغرق يرافقهم طوال الطريق، لكن اليأس من الواقع الذي تركوه خلفهم يجعل المخاطرة أهون من البقاء.
تحديات أمام السلطات اليونانية
تجد السلطات اليونانية نفسها أمام تحديات متزايدة مع استمرار تدفق المهاجرين، خاصة في الجزر الجنوبية التي لا تمتلك بنية تحتية كبيرة للتعامل مع أعداد متزايدة، ومع كل قارب جديد، تتجدد الحاجة إلى توفير أماكن إيواء إضافية، وتعزيز الطواقم الطبية، وتأمين الغذاء والمياه، في وقت تعاني فيه بعض المناطق من محدودية الموارد.
كما تثير هذه التطورات نقاشاً متجدداً داخل اليونان حول تقاسم الأعباء مع بقية دول الاتحاد الأوروبي، وضرورة إيجاد حلول طويلة الأمد لإدارة ملف الهجرة، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات طارئة لا تعالج جذور المشكلة.
الانتظار والمجهول
بالنسبة للمهاجرين الذين وصلوا حديثاً، يبدأ فصل جديد من الانتظار والترقب، فبعد النجاة من البحر، يواجهون واقع المراكز المؤقتة، حيث تسود حالة من القلق بشأن المستقبل، وإجراءات اللجوء، وإمكانية الانتقال إلى دول أخرى داخل أوروبا، كثيرون منهم لا يعرفون ما الذي ينتظرهم في الأيام المقبلة، سوى أنهم قطعوا مرحلة خطيرة من رحلتهم الطويلة.
تشهد منطقة شرق البحر المتوسط منذ سنوات تصاعداً في حركة الهجرة غير النظامية، مع تحول الجزر اليونانية إلى نقاط عبور رئيسية للمهاجرين القادمين من شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وتعد ليبيا أحد أبرز بلدان الانطلاق، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني فيها، وتؤكد منظمات دولية أن تشديد الرقابة على مسارات أخرى دفع المهربين إلى سلوك طرق أكثر خطورة، من بينها الطريق المؤدي إلى جنوب اليونان.
ورغم الجهود التي تبذلها السلطات اليونانية في عمليات الإنقاذ والاستقبال، فإن استمرار التدفق يسلط الضوء على الحاجة إلى مقاربة دولية شاملة تعالج أسباب الهجرة، وتضمن حماية إنسانية أفضل لأولئك الذين يخاطرون بحياتهم بحثاً عن الأمان.











