314 طفلاً في دور الرعاية.. نتائج أولية صادمة عن أبناء المعتقلين في سوريا

314 طفلاً في دور الرعاية.. نتائج أولية صادمة عن أبناء المعتقلين في سوريا
سوريا

كشفت لجنة التحقيق المكلفة بمتابعة مصير أبناء وبنات المعتقلين والمغيبين قسراً في سوريا عن نتائج أولية وُصفت بالصادمة، أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً وتعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، ملف أطفال حرموا من عائلاتهم، وسُلبوا أسماءهم وهوياتهم، ووضعوا في دور رعاية رسمية في ظروف يشتبه بأنها كانت جزءاً من سياسة ممنهجة لإخفاء آثار الجريمة.

وجاء الإعلان عن هذه النتائج خلال مؤتمر صحفي عقدته اللجنة الثلاثاء في مبنى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء السورية سانا، حيث عرضت اللجنة حصيلة أولية لأشهر من البحث والتقصي في سجلات دور الرعاية التابعة للوزارة خلال فترة حكم النظام السابق.

مهام اللجنة وأهدافها

رئيسة اللجنة رغداء زيدان أوضحت أن المهمة الأساسية للجنة تتمثل في التقصي والبحث عن أطفال المعتقلين والمعتقلات والمغيبين والمغيبات قسراً ممن جرى إيداعهم في دور الرعاية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا خلال سنوات النزاع، وأكدت أن عمل اللجنة يركز على إعادة الاعتبار لهؤلاء الأطفال وضمان حقهم في الهوية والانتماء والأسرة.

وأشارت زيدان إلى أن اللجنة تمكنت حتى الآن من حصر 314 طفلاً جرى إيداعهم في دور الرعاية الرسمية، في رقم يعكس حجم الظاهرة وتعقيدها، ويطرح تساؤلات عميقة حول مصير مئات آخرين لم تُكشف قصصهم بعد.

نتائج أولية وأرقام كاشفة

وبحسب زيدان، أظهرت عمليات البحث والتدقيق أن 150 طفلاً من هؤلاء تمكنوا من العودة إلى عائلاتهم، في حين تعمل اللجنة حالياً على التحقق من وصول 50 طفلاً آخرين إلى ذويهم، وسط صعوبات كبيرة تتعلق بغياب الوثائق أو تزويرها.

وأضافت أن مصير عدد كبير من الأطفال لا يزال مجهولاً، في ظل مؤشرات قوية على محاولات ممنهجة لطمس هوياتهم الحقيقية، عبر تسجيلهم بأسماء مختلفة ومنحهم صفة مجهولي النسب، ما يزيد من تعقيد عمليات التتبع وإعادة الربط العائلي.

مسارات عمل متعددة

وأوضحت زيدان أن اللجنة تعتمد على مسارات عمل متوازية، تشمل جمع الوثائق الرسمية وغير الرسمية، وإعداد استمارات خاصة بذوي الضحايا، وتشكيل فريق تطوعي متخصص لمراجعة سجلات الأطفال خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2024.

كما أشارت إلى تفعيل خطوط ساخنة للتواصل مع الأهالي، وإنشاء منصات تواصل اجتماعي مخصصة لذوي الأطفال المفقودين، بهدف تسهيل تبادل المعلومات والشهادات، إضافة إلى التواصل مع الجهات الدولية المعنية بملف المفقودين في سوريا.

دعم قانوني دون تدخل قضائي

من جهته، أكد ممثل وزارة الداخلية في اللجنة سامر قربي أن اللجنة تعمل بشكل منفصل تماماً عن الجهاز القضائي، مشدداً على أن دورها يقتصر على الدعم القانوني والإنساني لذوي الأطفال المختفين قسراً.

وقال قربي إن اللجنة توفر استشارات قانونية وتساعد في توكيل محامين، لكنها لا تتدخل في عمل القضاء ولا تصدر أحكاماً، موضحاً أن الملفات التي تتعامل معها معقدة للغاية وتتطلب بحثاً دقيقاً ومطولاً.

وأضاف أن اللجنة شكلت فرقاً ميدانية وأخرى متخصصة بفرز وأرشفة المعلومات، نظراً لتشعب البيانات وتداخلها، ولحساسية الملف الذي يمس حياة مئات العائلات.

دور مؤسسات الرعاية

وفي السياق نفسه كشف المدير الوطني لقرى الأطفال SOS في سوريا فاتح العباسي عن تشكيل لجنة خاصة داخل المؤسسة لتحري وتدقيق الوثائق المتاحة في الأرشيف، مؤكداً أن العمل يجري بالتنسيق مع لجنة التحقيق الرسمية.

وقال العباسي إن المؤسسة تمكنت من حصر 140 حالة لأطفال أودعوا قسراً لدى SOS وتم تتبع 106 حالات منها حتى الآن، في حين لا تزال الجهود مستمرة للتحقق من بقية الحالات بكل جدية ومسؤولية.

طمس الهوية بوصفه سياسة

شهادة لافتة قدمها معتصم السلومي مدير الهيئة العامة لمجمع بيوت لحن الحياة، سلطت الضوء على جانب خطير من الملف، فقد أكد أن فرق العمل فوجئت بعدم وجود بيانات حقيقية للأطفال أبناء المعتقلين، مشيراً إلى أن النظام السابق في سوريا تعمد منحهم صفة مجهولي الهوية ووضع أسماء مختلفة لهم.

وأوضح السلومي أن هذا الأسلوب يجعل عملية البحث أكثر تعقيداً، ويتطلب جهداً مضاعفاً لإعادة بناء السجلات وربط الأطفال بعائلاتهم البيولوجية، خاصة في ظل غياب أو تلف الوثائق الأصلية.

بداية المسار ومراحل قادمة

وكانت اللجنة قد أعلنت في يوليو عن انطلاق عملها رسمياً، كاشفة عن آليات البحث والتحري والتحقق، وخططها المستقبلية لضمان حقوق أبناء المعتقلين المغيبين قسراً. وأكدت حينها أن عملها سيستمر على مراحل؛ نظراً لضخامة الملف وحساسيته.

ويعد ملف أطفال المعتقلين المختفين قسراً من أبرز الملفات التي وضعتها الإدارة السورية الجديدة على رأس أولوياتها، في إطار مساعيها لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة ومحاسبة المسؤولين عنها، وإعادة الاعتبار للضحايا وذويهم.

ملف مفتوح على العدالة والذاكرة

التحقيقات الجارية تهدف إلى تتبع مصير مئات الأطفال الذين فُقدوا أثناء احتجاز آبائهم وأمهاتهم في سجون النظام السابق، أو خلال إقامتهم في دور الرعاية الحكومية، في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً من الناحية القانونية والإنسانية.

ويرى مراقبون أن هذا الملف لا يتعلق فقط بكشف مصير أطفال، بل بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وترميم ذاكرة جماعية مثقلة بالفقدان، ووضع أسس حقيقية للعدالة الانتقالية.

يأتي فتح هذا الملف في سياق التحولات السياسية التي شهدتها سوريا عقب 8 ديسمبر 2024، حين دخلت فصائل مسلحة العاصمة دمشق وأعلنت الإطاحة بنظام بشار الأسد الذي حكم البلاد بين عامي 2000 و2024، بعد أن ورث السلطة عن والده حافظ الأسد الذي حكم من 1971 حتى 2000، وخلال عقود الحكم، وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية حالات واسعة من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، شملت آلاف الرجال والنساء، وامتدت آثارها إلى أبنائهم الذين وجد بعضهم نفسه في دور رعاية دون هوية واضحة. واليوم، يمثل التحقيق في مصير هؤلاء الأطفال اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على مواجهة ماضيها، وإنصاف ضحاياها، وبناء مستقبل قائم على الحق والكرامة الإنسانية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية