"حوار أم إذعان".. أين تقف حقوق الإنسان في مسار الحوار الوطني بموريتانيا؟
"حوار أم إذعان".. أين تقف حقوق الإنسان في مسار الحوار الوطني بموريتانيا؟
في موريتانيا، حيث شمس الصحراء تلتقي مع أمواج الأطلسي، يتردد صدى دعوة "الحوار الوطني" عبر أروقة السياسة والمجتمع، ما بين وعود بالتماسك الاجتماعي وإصلاحات هيكلية، تبرز تساؤلات حقيقية عن مصير حقوق الإنسان في هذا المسار الذي يُفترض أن يكون فضاء للتلاقي وليس محض تأييد لاختيارات السلطة والأنظمة القائمة.
وجاء إطلاق الحوار الوطني كاستجابة لرؤية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لتعزيز التماسك الاجتماعي ودولة القانون، مع طموح إلى إشراك أكبر عدد ممكن من الفاعلين السياسيين والمجتمعيين، لكن موريتانيا تشهد منذ عام 1992، أكثر من خمسة حوارات سياسية سابقة فشلت في تقديم حلول جذرية للتحديات الأساسية مثل الانقسامات الاجتماعية، ضعف الحوكمة، وأزمة الحقوق المتأصلة.
وفي غياب آليات تنفيذ قوية، أثار هذا التاريخ الطويل من الحوارات المتكررة شكوكا حول ما إذا كان الحوار الوطني منصة حقيقية للإصلاح، أم مجرد إجراء شكلي لإعادة إنتاج الوضع القائم.
ومنذ الدستور الأول في 1991، كرست موريتانيا مبادئ حقوق الإنسان في نصوصها القانونية، وسعت لاحقًا لإنشاء أجهزة وطنية لحمايتها، مثل اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان والمفوضية المعنية بالحقوق والعمل الإنساني.
وفي السنوات الأخيرة، طرأت تطورات مهمة أبرزها إعداد استراتيجية وطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان وهي الأولى من نوعها، بهدف تعزيز العدالة الاجتماعية وترسيخ المواطنة، كما تم اعتماد قوانين لمعالجة العبودية، وإنشاء محاكم متخصصة للتعامل مع الجرائم المرتبطة بها.
وبحسب تقارير دولية حديثة، تشهد منظومة حقوق الإنسان في موريتانيا تطورًا نسبيًا، وذلك رغم تسجيل قيود واضحة في الحقوق المدنية والسياسية، وخاصة حرية الإعلام والتعبير، بما في ذلك إغلاق الإنترنت وحجب المعلومات في أوقات الاحتجاجات.
ولا تزال العنصرية والتمييز ضد المجموعات المهمشة، لا سيما جماعات الحراطين والأفرو-موريتانيين، موضوعًا للتوثيق والنقد، رغم المحاولات القضائية والتشريعية لمكافحة العبودية.
معالجة الانقسامات الداخلية
وفي جوهرها، تنطلق فكرة الحوار الوطني من الهدف النبيل، والذي يتمثل في معالجة الانقسامات السياسية والاجتماعية، وإيجاد أرضية مشتركة لبناء مستقبل أكثر عدالة، لكن الحوار يواجه تحديات حقيقية في أن يكون أكثر من مجرد منصة سياسية مؤدلجة، إذ لا يمكن للحوار أن يُصبح تكرارًا لصيغ إرضاء السياسيين إذا لم يتناول قضايا الحقوق الأساسية للمواطنين.
ويبتغي الحوار الوطني، وضع قوانين وضوابط لإلغاء أي شكل من أشكال التمييز والتمييز الهيكلي، وضمان حرية التعبير والتجمع دون قيود تعسفية، وحماية المجتمع المدني والمدافعين عن الحقوق، وتقوية استقلال القضاء لضمان مساءلة منتهكي الحقوق وغيرها.
ويبقى سؤال حقوق الإنسان في موريتانيا مفتوحًا، ليس فقط على ضوء ما يُقال في قاعات الحوار، بل بمدى ما تتحقق من حماية ملموسة للحريات الأساسية، وفعلية العدالة والمساواة في الحياة اليومية للمواطنين، ليكون انعكاسًا على تحولات حقيقية في حياة المواطنين وكرامتهم.
تطلعات مرتقبة
في لحظة سياسية يختلط فيها الترقب بالأمل، احتضنت الرئاسة الموريتانية، يوم 8 يناير الجاري، لقاءً سياسيًا موسعًا يُراهن عليه كخطوة أولى في مسار طال انتظاره، إذ التقى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بنحو أربعين شخصية من مختلف أطياف المشهد السياسي، موزعين بالتساوي بين الأغلبية والمعارضة، في محاولة لفتح نافذة حوار وطني يعيد ترتيب الأسئلة المؤجلة ويبحث عن مساحات مشتركة وسط التباينات القائمة.
ولم يقتصر الاجتماع المرتقب على المراسم البروتوكولية، بل استهدف الخوض في جوهر الحوار المنتظر ومضامينه ومحاوره الكبرى، وآليات تنظيمه وتوقيته، فضلًا عن استعراض حصيلة المشاورات والاتصالات التي قادها منسق الحوار، موسى أفال، على امتداد الأشهر الماضية، في مسعى لجس نبض القوى السياسية واستكشاف حدود التوافق الممكنة.
ووفق الترتيبات المعلنة، خصص عشرون مقعدا لقوى المعارضة، بينها عشرة لمؤسسة المعارضة الديمقراطية، حيث سيمثل حزب "تواصل" بأربع شخصيات، فيما خُصصت ثلاثة مقاعد لكل من حزبي "جود" و"الصواب"، أما المقاعد العشرة المتبقية، فقد مُنحت لأحزاب المعارضة غير البرلمانية، إضافة إلى التشكيلات السياسية التي حصلت على تراخيصها مؤخرًا، في إشارة إلى سعيٍ لتمثيل أوسع للطيف السياسي.
وتولى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني افتتاح الجلسة، في خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز الشكل، وتعكس الحرص على دفع المسار التشاوري نحو مخرجات عملية، خاصة في الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها القضايا السياسية والانتخابية والتشريعية، إلى جانب بحث طبيعة الإشراف على الحوار وآليات التنفيذ والتواريخ المقترحة لانطلاقه.
ورأى متابعون أن هذا اللقاء قد يشكل دفعة جديدة نحو تهدئة المناخ السياسي وتعزيز الاستقرار، ويمهد الطريق أمام حوار وطني شامل، يعول عليه الموريتانيون للخروج من دائرة الشد والجذب، وبناء أرضية تفاهم تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، وفق ما أوردته وسائل إعلام موريتانية.
اعتراضات مشروعة
في المقابل، دعا أربعة نواب برلمانيين موريتانيين، وهم يحيى اللود، وخالي جالو، ومحمد بوي الشيخ محمد فاضل، ومحمد الأمين سيدي مولود، قوى المعارضة الجادة إلى توحيد صفوفها ومواقفها، والرد على ما اعتبروه مناورات من قبل النظام عبر الانحياز الواضح لقضايا الشعب الموريتاني الأساسية.
ووصف النواب، في بيان لهم، مسار الحوار القائم حتى الآن بأنه لا يزال يفتقر إلى الجدية، وتغيب عنه الشروط الأساسية لأي حوار يتمتع بالمصداقية، سواء من حيث المنهجية أو وضوح الأهداف، متهمين مسار الحوار بتجاهل عمق الأزمة التي تعيشها البلاد، ومحاولة القفز على معاناة المواطنين الناجمة عن تفشي الفساد وسوء التسيير وارتفاع معدلات البطالة وضعف الرواتب وغلاء الأسعار، إلى جانب انتشار المخدرات وتراجع مستوى الأمن، بدلا من معالجة هذه الإشكالات من جذورها.
وأضاف النواب أن مسار الحوار يتغاضى كذلك عن وضعية الدولة ومؤسساتها وتراجع منسوب الحريات، معتبرين أن ما تحتاجه موريتانيا في المرحلة الراهنة هو حوار وطني حقيقي تتوفر له الضمانات اللازمة، ويشكل مدخلا جادا لإخراج البلاد مما وصفوه بـ"عنق زجاجة الأحكام الاستثنائية".
محاولة لكسر الجمود
بدوره، قال المحلل السياسي المتخصص في الشأن الأفريقي، عبدوالي جامع، في حديث لـ"جسور بوست"، إن الدعوة التي وجهتها الرئاسة الموريتانية مؤخرًا إلى أربعين شخصية سياسية، مناصفة بين الموالاة والمعارضة، للمشاركة في اجتماع تشاوري حول وثيقة الحوار الوطني المرتقب، تعكس إدراكا رسميا لأهمية إطلاق هذا المسار في المرحلة الحالية.
ويرى جامع أن الاجتماع يمثل محاولة لكسر حالة الجمود السياسي التي خيمت على المشهد خلال الفترة الماضية، ويعكس سعيا لإحياء الحوار بعد مرحلة من الركود وتبادل الاتهامات بشأن تعثره، مشيرا إلى أن الحرص على التوازن في التمثيل بين الموالاة والمعارضة يهدف إلى إضفاء قدر من الشرعية والمصداقية على المسار، وتفادي الاتهامات بالإقصاء أو التفرد.
واعتبر المحلل السياسي أن الحوار الوطني المنتظر يشكل اختبارا جديا لمدى الالتزام بالتعهدات الانتخابية التي قدمها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خلال حملته الرئاسية لعام 2024، لافتا إلى أن نجاح هذا المسار أو فشله ستكون له انعكاسات وكلفة سياسية واضحة.
وشدد جامع على أن إدراج ملفات الانتخابات، والوحدة الوطنية، والحقوق ضمن محاور الحوار يعكس وعيا رسميا بطبيعة الأزمة التي تعيشها البلاد، معتبرا أنها أزمة سياسية بنيوية تتجاوز كونها مجرد إشكالات إجرائية أو تنظيمية.
الملف الحقوقي الحاضر
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني، الولي سيدي هيبه، في حديث لـ"جسور بوست"، أن ملف حقوق الإنسان في موريتانيا لم يكن يوما غائبا عن النقاش السياسي العام، سواء على مستوى الحكومات المتعاقبة، أو داخل الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها وخطاباتها.
واعتبر أن القضايا الحقوقية، وفي مقدمتها ملف الاسترقاق، تحظى بإجماع مبدئي على ضرورة معالجتها وإنهائها بما ينسجم مع القيم الإنسانية ومعايير العصر، الذي لم يعد يقبل باستمرار مثل هذه الممارسات، مؤكدا أن هذا الملف لا يمكن النظر إليه بوصفه إشكالا معزولا، رغم ثقله الأخلاقي والإنساني، معتبرًا أنه أحد تجليات أزمة أعمق تمس بنية المجتمع والدولة معا، وتتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية أو الظرفية.
وأشار هيبه إلى أن اضطراب المشهد السياسي في البلاد كثيرًا ما يؤدي إلى تراجع حضور بعض القضايا الجوهرية لصالح ملفات أخرى ملحّة، لافتا إلى أن موريتانيا تواجه تحديات مركبة، تشمل تفشي الفساد والتخلف التنموي وتدهور البنى التحتية، إضافة إلى هشاشة الانتقال نحو المدنية، في مجتمع لا تزال تجربته مع الدولة الحديثة حديثة نسبيا.
وأوضح أن هذه الملفات تُعالج داخل الأحزاب السياسية، سواء المعارضة منها أو القريبة من السلطة، وفق منطق الخطاب الذي تتبناه كل جهة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعثر المعالجة الموضوعية لبعض القضايا الحساسة، ومنها ملف العبودية، الذي يظل رهين التجاذبات السياسية والخلافات الأيديولوجية.
ورأى الكاتب والمحلل السياسي أن أي حوار وطني مرتقب، وهو ما تعمل الدولة على التحضير له حاليا، يجب أن يضع كل هذه الملفات في صلب اهتماماته، وأن يتعامل معها بجدية، عبر فتح المجال أمام مختلف الآراء والمقاربات، والاستماع إلى مقترحات القوى السياسية والمدارس الفكرية المتنوعة، بما يتيح غربلة هذه الطروحات والوصول إلى أرضية مشتركة تُبنى عليها حلول مستدامة، وتستند إلى توافق وطني واسع، وتضع أسس معالجة جادة لقضايا الحقوق والحريات، وعلى رأسها قضية الاسترقاق في موريتانيا.











