خنق المساعدات في غزة.. إسرائيل تلغي تراخيص منظمات الإغاثة الإنسانية
خنق المساعدات في غزة.. إسرائيل تلغي تراخيص منظمات الإغاثة الإنسانية
بدأت إسرائيل، الأحد، تنفيذ قرار إلغاء تراخيص عمل عشرات المنظمات الدولية التي تنشط في إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، في خطوة أثارت موجة تحذيرات فلسطينية ودولية من تفاقم الوضع الإنساني في القطاع الذي يعيش واحدة من أسوأ الكوارث في تاريخه الحديث.
وبحسب ما أوردته هيئة البث العبرية الرسمية، شرعت السلطات الإسرائيلية فعليا في منع 37 منظمة دولية من مواصلة عملها في غزة، بعد دخول آلية تسجيل جديدة حيز التنفيذ، مدعية أن هذه المنظمات رفضت تقديم قوائم بأسماء موظفيها والتعاون مع الإجراءات الأمنية المفروضة حديثا وفق المركز الفلسطيني للإعلام.
آلية تسجيل مثيرة للجدل
تقول إسرائيل إن قرار إلغاء التراخيص جاء بعد استكمال تطبيق نظام تسجيل أمني جديد للمنظمات الدولية العاملة في غزة، وإن هذه المنظمات لم تلتزم بالمعايير المطلوبة، وادعت هيئة البث أن المنظمات التي شملها القرار لم تسهم مجتمعة إلا بأقل من 1 بالمئة من إجمالي المساعدات الإنسانية التي دخلت القطاع طوال فترة الحرب، معتبرة أن نطاق المساعدات لن يتأثر فعليا بهذه الخطوة.
غير أن هذه الرواية قوبلت بتشكيك واسع من جهات فلسطينية ومنظمات دولية، حذرت من أن أي تقليص إضافي في عمل منظمات الإغاثة سيضاعف معاناة السكان المدنيين، خصوصا في ظل القيود المشددة المفروضة أصلا على دخول الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية.
وأوضحت هيئة البث أن قرار إلغاء التراخيص تقوده لجنة مشتركة تضم عدة وزارات إسرائيلية، برئاسة وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية، وأشارت إلى أن رسائل رسمية أرسلت إلى أكثر من 10 منظمات دولية، من بينها منظمة أطباء بلا حدود، تبلغها بإلغاء تراخيص العمل اعتبارا من 1 يناير الجاري، مع منحها مهلة حتى 1 مارس المقبل لإنهاء أنشطتها في غزة.
وبررت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية هذه الخطوة بالقول إن آلية التسجيل الجديدة تستند إلى معايير مهنية وأمنية واضحة، عُرضت مسبقا على المنظمات، وتهدف إلى الحفاظ على ما تصفه بنزاهة المنظومة الإنسانية ومنع تسلل عناصر تعدها معادية.
اتهامات أمنية ونفي غير مباشر
وزعمت هيئة البث أن تحقيقات أمنية كشفت عن تورط موظفين في منظمة أطباء بلا حدود في أنشطة وصفتها بالإرهابية، مدعية أن المنظمة حجبت معلومات كاملة عن هويات بعض موظفيها وأدوارهم في حالتين على الأقل، ولم يصدر تعليق فوري من المنظمة بشأن هذه الاتهامات، في حين يرى مراقبون أن هذه المزاعم تندرج في سياق أوسع لتقييد عمل المنظمات المستقلة.
دوافع سياسية خلف القرار
في المقابل، كشفت صحيفة هآرتس العبرية في تقرير نشرته في نوفمبر الماضي أن سحب تراخيص منظمات الإغاثة الدولية لا يستند فقط إلى اعتبارات أمنية، بل تحكمه دوافع سياسية بحتة، وأوضحت الصحيفة أن وزارة شؤون الشتات باتت تمتلك صلاحيات واسعة لرفض أو إلغاء تراخيص المنظمات، لأسباب تشمل مواقفها السياسية.
وبحسب هآرتس، يمكن إلغاء ترخيص أي منظمة إذا اعتُبر أنها تنكر وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، أو تعمل على ما تسميه نزع الشرعية عن إسرائيل، أو تدعم ملاحقة مسؤولين إسرائيليين قضائيا في الخارج أو أمام محاكم دولية على خلفية الجرائم المرتكبة في غزة.
يأتي هذا التصعيد في وقت حساس، بعدما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في عام 2024 مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، ويرى محللون أن هذه التطورات زادت من حساسية إسرائيل تجاه المنظمات الدولية التي توثق الانتهاكات أو تدعم المساءلة القانونية.
غزة تحت الحصار والنار
منذ 8 أكتوبر 2023، تشن إسرائيل حربا واسعة على قطاع غزة بدعم أمريكي، أسفرت عن أكثر من 71000 شهيد و171000 جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، وفق معطيات فلسطينية، كما دمرت الحرب نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية، وقدرت الأمم المتحدة كلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.
وفي ظل هذا الدمار الهائل، يعيش نحو 1.5 مليون نازح داخل القطاع من أصل حوالي 2.4 مليون نسمة، في ظروف إنسانية قاسية، مع نقص حاد في الغذاء والمياه والدواء ومواد الإيواء، نتيجة الحصار المستمر منذ أكثر من 18 عاما.
وتشير تقارير فلسطينية إلى أن إسرائيل لا تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر الماضي، سواء من حيث إدخال المساعدات أو وقف العمليات العسكرية، فقد واصلت شن غارات شبه يومية، أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 418 فلسطينيا وإصابة 1171 آخرين، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.
أرقام متضاربة حول المساعدات
تزعم إسرائيل أن حجم المساعدات الإنسانية التي دخلت غزة ارتفع من نحو 50000 شاحنة خلال عام 2024 إلى نحو 70000 شاحنة في عام 2025، إلا أن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة فن د هذه الأرقام، مؤكدا في بيان صدر في 12 ديسمبر أن ما دخل القطاع منذ بدء وقف إطلاق النار لم يتجاوز 14534 شاحنة من أصل 37200 كان من المفترض دخولها وفقا للاتفاق.
وأوضح المكتب أن متوسط عدد الشاحنات اليومية لم يتجاوز 234 شاحنة، بنسبة التزام لا تتعدى 39 بالمئة، مشددا على أن هذه المعطيات تؤكد اعتماد إسرائيل سياسة خنق اقتصادي ممنهج تهدف إلى إبقاء قطاع غزة على حافة المجاعة.
تأسست إسرائيل عام 1948 على أراض فلسطينية بعد عمليات تهجير قسري ومجازر ارتكبتها عصابات صهيونية مسلحة، قبل أن تواصل لاحقا احتلال بقية الأراضي الفلسطينية، ومنذ ذلك الحين، يرزح قطاع غزة تحت حصار مشدد تفاقم بعد سيطرة حركة حماس على القطاع عام 2007، ومع اندلاع الحرب الأخيرة، بلغ الوضع الإنساني مستويات غير مسبوقة من التدهور، حيث تعتمد غالبية السكان على المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة، وتعتبر منظمات حقوقية أن تقليص أو منع عمل منظمات الإغاثة في هذا السياق لا يشكل فقط انتهاكا للقانون الإنساني الدولي، بل يهدد بشكل مباشر حياة ملايين المدنيين، في وقت تتزايد فيه المخاوف من مجاعة واسعة النطاق إذا استمر هذا النهج دون تدخل دولي فاعل.











