رغم الحرب والحرمان.. نساء غزة يصنعن الأمل بالاقتصاد الأخضر

رغم الحرب والحرمان.. نساء غزة يصنعن الأمل بالاقتصاد الأخضر
جانب من منتجات المعرض الصديقة للبيئة والمُعاد تدويرها في غزة

في مدينة أنهكتها الحرب وتراكم فوقها الركام، اختار أهالي غزة أن يصنعوا من المعاناة مساحة للحياة، ومن الألم طريقا للإبداع، وتحت عنوان “أثر أخضر غزة تبدع”، انطلق أول معرض صديق للبيئة بعد عامين من الهجوم على القطاع، ليحمل رسالة إنسانية عميقة مفادها أن غزة قادرة على النهوض من جديد بسواعد نسائها وشبابها، الذين يحولون الخسارة إلى طاقة عمل، والدمار إلى مشاريع صغيرة تنبض بالأمل.

ووفق جمعية إنقاذ المستقبل الشبابي، الجهة المنظمة للمعرض بالشراكة مع مؤسسة إنقاذ الطفل الدولية وبدعم من الاتحاد الأوروبي، افتتح المعرض يوم الاثنين ويستمر لمدة 3 أيام متتالية، بمشاركة عشرات النساء والشابات اللائي قدمن منتجات صديقة للبيئة مصنوعة من مواد معاد تدويرها، في محاولة لإعادة تعريف الحياة في قطاع غزة كفعل مقاومة وإبداع يومي، بحسب ما أوردته وكالة أنباء المرأة الثلاثاء.

معرض في زمن الحرب

جاء تنظيم المعرض في وقت يعاني فيه قطاع غزة من حصار خانق ودمار واسع طال البنية التحتية والمنازل ومصادر الرزق، ما جعل فكرة الاقتصاد الأخضر وإعادة التدوير ضرورة ملحة وليست خيارا ترفيهيا، وشكل المعرض نافذة نادرة للأهالي لاستعادة شيء من ملامح الحياة الطبيعية التي افتقدوها، ومساحة تواصل مجتمعي أعادت الدفء إلى مدينة اعتادت على أخبار الفقد والنزوح.

منسقة مشروع شباب من أجل مستقبل أخضر، ابتهال شراب، أكدت أن المعرض يندرج ضمن مشروع يهدف إلى التمكين الاقتصادي للشباب والشابات، مع تركيز خاص على النساء الرياديات اللوائي فقدن مشاريعهن ومصادر دخلهن خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وأوضحت أن المشروع يسعى إلى دعم المبادرات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر وإيجاد حلول عملية للأزمات الاقتصادية والبيئية التي يعيشها القطاع.

وأضافت أن المعرض يضم 22 زاوية متنوعة، من بينها زوايا لإنشاء المطابخ المتنقلة للنساء خلال فترات النزوح، وزوايا لصناعة المنظفات والصابون في ظل شح هذه المواد، إلى جانب الزراعة العضوية، وتجديد الملابس، والمطرزات، والرسم على الزجاج، وأعمال فنية أخرى تعتمد على إعادة التدوير وتحافظ على البيئة.

منتجات تولد من العدم

وأشارت شراب إلى أن قطاع غزة مليء بالمبدعين القادرين على تحويل غياب الإمكانيات إلى فرص، مؤكدة أن معظم المنتجات المعروضة صُنعت من مواد خام معاد تدويرها بالكامل، في ظل فقدان شبه تام للمواد الأساسية.

ولفتت إلى أن التمكين الاقتصادي هو المفتاح الحقيقي لاستمرار هذه المشاريع، سواء كانت تراثية أو فنية أو غذائية أو حرفية، ومساعدتها على الوصول إلى مرحلة الإنتاج والاستدامة.

وأكدت أن رحلة العمل لم تكن سهلة، في ظل النزوح المتكرر، والمخاطر الميدانية، وغلاء الأسعار، وصعوبة الانتقال بين المناطق، إلا أن إصرار المشاركات كان أقوى من كل التحديات.

وأوضحت أن الإقبال الكبير على المعرض فاق التوقعات، لأن أهالي غزة يفتقدون أي مساحة تعيد لهم الإحساس بالحياة، معتبرة أن هذا المعرض شكل حدثا استثنائيا ومتنفسا نفسيا واجتماعيا.

مطبخ من تحت الأنقاض

في إحدى زوايا المعرض، عرضت المهندسة منور الفرا مشروعها لإعادة تدوير الأخشاب وصناعة مطابخ متنقلة ذكية، تقول الفرا إن فكرتها جاءت من معاناة النساء خلال النزوح القسري المتكرر، حيث صممت مطبخاً عبارة عن صندوق متحرك بعجلات يمكن استخدامه لغسل الأواني أو كطاولة عمل أو مساحة تخزين بسيطة.

وأوضحت أن توفير المواد الخام كان التحدي الأكبر، ما اضطرها إلى البحث بين المدينة والوسط والجنوب عن أحواض وحنفيات واكسسوارات مستعملة، كما استخدمت أخشاب المشاطيح وأجزاء معدنية استخرجتها من تحت ركام البيوت المدمرة.

وأشارت إلى أن حياتها تغيرت جذريا بعد الحرب، فبعد أن كانت مهندسة معمارية تدير مشاريع كبيرة، أصبحت نازحة تبحث عن النجاة وتحاول تحويل خبرتها إلى مشروع يخدم النساء في ظروف مشابهة.

إحياء الملابس والهوية

في زاوية أخرى، شاركت عائدة حميد بمشروعها "نفس"، المختص بإعادة تدوير الملابس ودمج التطريز الفلسطيني والرسم اليدوي لإعادة الحياة إلى قطع تالفة أو متضررة، وتقول حميد إن كثيرات من النساء يمتلكن ملابس ذات قيمة معنوية انتشلت من تحت الركام، ولا يستطعن شراء بدائل بسبب الغلاء وإغلاق المعابر، فتعمل على ترميمها ومنحها روحا جديدة.

وأشارت إلى أن إدخال التطريز الفلسطيني لا يعالج التلف فقط، بل يعيد للمرأة هويتها الوطنية التي تضررت بفعل النزوح والتشتت، وبيّنت أنها دمجت بين الطابع العصري والتراثي، ما أنتج أثوابا وسترات تحظى بإقبال لافت، لكنها أكدت أن نقص المواد الخام وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار تشكل تحديات حقيقية، متمنية أن يتحول مشروعها مستقبلا إلى علامة مسجلة تحمل اسم نفس.

وفي زاوية الدمى، تحدثت مها عوض عن مشروعها في صناعة دُمى قماشية صديقة للبيئة، تقول إن الفكرة ولدت بعد انعدام البضائع المستوردة وحاجة الأطفال إلى أبسط حقوقهم في اللعب، وتصنع عوض دمى آمنة بالكامل من القماش ومواد معاد تدويرها مثل أزرار الملابس القديمة والقطن المستخدم في الوسائد.

وأوضحت أنها توفر إمكانية تصميم دمى تشبه الأطفال أو تحمل أسماءهم، ما لاقى استحسان الأمهات، وأكدت أن مشاركتها في المعرض وفرت لها فرصة لتسويق منتجاتها وتأمين مصدر دخل متواضع لكنه ضروري لتلبية احتياجاتها الأساسية.

حلم يتحقق في المطبخ

أما سالي البربري، فشاركت بمشروع أكلاتنا غير، حيث تقدم مأكولات منزلية متنوعة، تقول إن الطبخ أصبح وسيلتها للتمكين الاقتصادي وإثبات ذاتها كشابة قادرة على إدارة مشروعها الخاص، رغم النظرة المجتمعية التي كانت تشكك في قدرة الفتيات على خوض مثل هذه التجارب.

وأعربت عن فخرها بردود فعل الزوار الذين طلب كثير منهم التواصل معها لتجربة المزيد من الأصناف، معتبرة أن هذه الخطوة قد تكون بداية حقيقية لمشروعها، وترى البربري أن هذه الفعاليات تشكل بارقة أمل حقيقية لتعافي غزة بسواعد نسائها.

يأتي معرض “أثر أخضر غزة تبدع” في سياق أزمة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة يعيشها قطاع غزة منذ سنوات، تفاقمت بشكل حاد بعد الهجوم الأخير الذي أدى إلى دمار واسع في المنازل والمنشآت الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، خاصة بين النساء والشباب، ومع إغلاق المعابر ونقص المواد الخام والطاقة، باتت مبادرات الاقتصاد الأخضر وإعادة التدوير أحد الحلول القليلة المتاحة لمواجهة الواقع القاسي.

ويعكس هذا المعرض توجها متناميا داخل المجتمع الغزي نحو الاعتماد على الذات، وتحويل الإبداع إلى أداة صمود، تؤكد أن الحياة في غزة لا تزال ممكنة رغم كل محاولات كسرها.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية