الأمم المتحدة: الحقوق الثقافية تعاني جملة من التحديات.. ولا بد من مراجعة سياسات التنمية
ضمن فعاليات الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان
كشفت نتائج الزيارات القطرية التي أجرتها المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحقوق الثقافية عن جملة من التحديات المرتبطة بتكريس هذه الحقوق في سياقات التنمية وحماية البيئة، مسلطة الضوء على آثار سياسات إعادة التوطين، وضعف المشاركة المجتمعية، والتداخل بين حماية الطبيعة وصون التنوع الثقافي.
وأكدت النتائج التي تم استعراضها خلال الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة للأمم المتحدة في مجال الحقوق الثقافية، ألكسندرا إكسانتاكي، اليوم الثلاثاء، ضمن أعمال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان، في الاجتماع الخامس عشر المنعقد تحت البند الثالث من جدول الأعمال، أن بعض النماذج التنموية المطبقة في دول عدة تُدار بمنطق “الهندسة الثقافية”، بما يفضي إلى تهميش الجماعات المحلية والسكان الأصليين، ويقيد حقهم في المشاركة الحرة والمستنيرة في القرارات التي تمس حياتهم وأنماط عيشهم.
وشددت على مسؤولية الشركاء الدوليين والجهات المانحة في ضمان عدم دعم مشاريع قد تسهم في انتهاكات، داعية إلى تبني مقاربة شاملة تدمج التنوع البيولوجي مع التنوع الثقافي، وتحترم المعارف التقليدية والروابط التاريخية للأفراد بأراضيهم.
وقدمت المقررة تقريرين حول زيارتين رسميتين إلى كل من جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية وولايات ميكرونيزيا الموحدة، إلى جانب استعراض أنشطتها الاتصالية المتعلقة بادعاءات انتهاك الحقوق الثقافية في عدد من الدول.
التنمية بين التحديث والهوية
في تقريرها بشأن زيارتها إلى لاوس في نوفمبر 2024، أوضحت المقررة أنها رصدت فجوة بين الإطار الدستوري الذي يكفل الحقوق الثقافية، وبين الممارسات الفعلية المرتبطة بسياسات التنمية.
وأشارت إلى أن التنوع الثقافي، الذي يمثل أحد أعمدة هذه الحقوق، لا ينعكس بشكل كافٍ في السياسات العامة الرامية إلى تحسين سبل العيش والحد من الفقر.
وسجل التقرير أن سياسات إعادة التوطين، المرتبطة ببعض مشاريع التنمية أو حماية الطبيعة، أُقرت دون تقييم كافٍ لتأثيرها على المجتمعات المتضررة، خصوصًا فيما يتعلق بحقوقهم في الأراضي وموارد العيش.
كما لفتت المقررة إلى أن بعض هذه السياسات تروج لنموذج ثقافي يُقدَّم بوصفه “أكثر تحضرًا”، بما يحمله ذلك من تحيزات ضمنية تجاه الجماعات العرقية المختلفة.
ووصفت المقررة هذا التوجه بـ”الهندسة الثقافية”، مشيرة إلى أنه يُدار في غياب عملية تشاركية ديمقراطية حقيقية، ولا يفسح المجال لمعارضة النماذج المطروحة.
واعتبرت أن الاكتفاء بإجراءات إعلام المجتمعات أو تخفيف الأثر لا يرقى إلى مستوى الحق في الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة، الذي يجب أن تتمتع به الجماعات المتأثرة.
وفي المقابل، أعربت عن تقديرها لقبول الحكومة اللاوية الزيارة، معتبرة ذلك مؤشرًا على استمرار الانخراط مع منظومة الأمم المتحدة.
كما أشادت بتضمين الدستور نصوصًا صريحة تكفل الحقوق الثقافية، وهو ما وصفته بأنه “أمر نادر نسبيًا”، مؤكدة أهمية البناء على هذا الأساس القانوني لضمان احترام التنوع الذي تتميز به البلاد، والتي تضم نحو خمسين مجموعة عرقية.
ثقافة جزيرية في مواجهة التحولات
أما في تقريرها بشأن زيارتها إلى ولايات ميكرونيزيا الموحدة في يونيو 2025، فقد اعتبرت المقررة أن اختيار الحكومة التركيز على الحقوق الثقافية ضمن التزاماتها الدولية يمثل خطوة إيجابية يمكن أن تسهم في توجيه مسار التنمية بالاستناد إلى الموارد الثقافية الفريدة لشعوب الجزر.
وأشارت إلى أن البلاد تزخر بمساحات متعددة للمشاركة الثقافية، تشمل الفنون والرياضة والمعارف التقليدية، كثير منها بقيادة المجتمع المحلي، غير أنها لفتت إلى وجود قصور في التنسيق بين مستويات الحكم المختلفة، لاسيما بين السلطات الاتحادية وسلطات الولايات والسلطات التقليدية، ما قد ينعكس على فعالية تنفيذ الالتزامات.
وأبرز التقرير أن المرحلة الانتقالية من الوصاية إلى الاستقلال الكامل لا تزال تطرح تحديات أمام إعمال حق تقرير المصير الثقافي بشكل متكامل، داعية إلى بلورة رؤية تنموية واضحة تعزز مشاركة المجتمعات في تحديد أولوياتها.
وأوصت المقررة بالتصديق على عدد من الصكوك الدولية، بينها العهدان الدوليان لحقوق الإنسان، واتفاقية اليونسكو لعام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، لتعزيز الضمانات القانونية على المستوى الوطني.
حماية البيئة.. بين الحفظ والتهجير
خصصت المقررة جزءًا موسعًا من عرضها لبحث العلاقة بين حماية البيئة والحقوق الثقافية، مستندة إلى 86 مراسلة وجهتها بشأن ادعاءات انتهاك، شملت 34 دولة و32 جهة فاعلة أخرى. وأكدت أن ضحايا عديدين أفادوا بأن حقوقهم الثقافية انتُهكت أو جرى تجاهلها باسم حماية الطبيعة.
وأوضحت أن بعض مشاريع الحفاظ على الغابات أو إنشاء المحميات الوطنية استُخدمت لتبرير تهجير جماعات من أراضيها، وفصلها عن مواقعها ذات الدلالة الثقافية، دون إشراك فعلي في صنع القرار.
واعتبرت أن الفصل بين التنوع البيولوجي والتنوع الثقافي تصور غير واقعي، مشيرة إلى أن المجتمعات التي عاشت في الغابات أو على السواحل لقرون طورت معارف تقليدية في رعاية البيئة لا يمكن إغفالها.
ورحبت ببدء انخراط منظمة اليونسكو في مناقشات متعلقة بإدارة بعض المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، في أعقاب تقارير عن عمليات إخلاء قسري في مناطق محمية، مؤكدة ضرورة احترام حقوق المجتمعات المحلية والسكان الأصليين في المشاركة والموافقة الحرة والمستنيرة.
وشددت على أن مسؤولية احترام هذه الحقوق لا تقع على عاتق الدول وحدها، بل تشمل أيضًا الجهات المانحة والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الحفاظ على البيئة، مطالبة بإيقاف أي مشروع يتبنى مقاربة إقصائية أو دفاعية صارمة تجاه السكان المحليين.
مواقف متباينة
شهدت الجلسة سلسلة من المداخلات و”حقوق الرد” من عدد من الدول، فقد أكدت حكومة لاوس استمرار جهودها للحد من الفقر وتحسين الظروف المعيشية، معربة عن تقديرها للزيارة واستعدادها لمواصلة الحوار وتعزيز دقة المعلومات الواردة في التقرير النهائي.
ومن جانبها، أعادت ولايات ميكرونيزيا الموحدة التأكيد على التزامها بحماية الحقوق الثقافية بوصفها جزءًا من هويتها الوطنية، مشيرة إلى ضغوط ديموغرافية واقتصادية، بينها الهجرة في إطار اتفاقية الارتباط الحر مع الولايات المتحدة، وما يترتب عليها من تحديات للحفاظ على اللغات والمعارف التقليدية.
وفي سياق آخر، مارست الصين حق الرد، رافضة ادعاءات قدمتها منظمات غير حكومية بشأن قضايا في إقليم شينجيانغ، ومؤكدة أن التشريعات الوطنية تحظر التعذيب صراحة، وأن بعض الأطراف تسعى إلى تسييس قضايا الحقوق.
كما تبادلت كل من الهند وباكستان مداخلات حادة بشأن أوضاع الأقليات الدينية وحرية المعتقد، حيث اتهم كل طرف الآخر بإساءة استخدام المنصة الدولية لتوجيه اتهامات سياسية. وأكدت الهند أن دستورها يكفل التعددية الدينية، بينما اعتبرت باكستان أن بعض السياسات الهندية تنطوي على تمييز منهجي بحق الأقليات.
ومن جهتها، أثارت لاتفيا في مداخلتها مخاوف تتعلق بحماية مواقع التراث الثقافي في ظل ضغوط سياسية وتحديات بيئية، داعية إلى تعزيز التعاون الدولي لصونها.
مقاربة متعددة الأبعاد
خلصت المقررة الخاصة إلى أن النقاش حول التنمية وحماية البيئة لا يمكن أن يكتمل دون إدماج الأبعاد الثقافية بشكل فعلي، مؤكدة أن احترام المشاركة الحرة والمستنيرة، والاعتراف بالمعارف التقليدية، وتجنب التهجير القسري، تمثل عناصر أساسية لأي سياسة مستدامة.
ودعت الدول والهيئات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية إلى جعل صون الحقوق الثقافية أولوية عملية لا خطابية، عبر مراجعة السياسات، وتعزيز التنسيق، وضمان أن تكون المجتمعات المتأثرة شريكة حقيقية في رسم مستقبلها.
وبينما تستمر أعمال الدورة الحادية والستين، يظل هذا الملف أحد أبرز محاور النقاش داخل المجلس، في ظل تزايد التحديات المرتبطة بالتنمية وتغير المناخ، وما تفرضه من أسئلة حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الحفظ والعدالة الثقافية، بما يضمن احترام التنوع وصونه للأجيال القادمة.











