بعد أسابيع من القمع والدم.. إيران تلوح بإعادة خدمات الإنترنت تحت ضغوط داخلية وخارجية
بعد أسابيع من القمع والدم.. إيران تلوح بإعادة خدمات الإنترنت تحت ضغوط داخلية وخارجية
بعد أسابيع من واحدة من أكثر موجات الاضطرابات دموية في تاريخ إيران الحديث، بدأت مؤشرات حذرة على تراجع قبضة السلطات الأمنية، مع حديث رسمي عن قرب إعادة خدمات الإنترنت التي قطعت بشكل واسع خلال الاحتجاجات، وأعادت تصريحات صادرة عن عضو بارز في البرلمان الإيراني الأمل لملايين الإيرانيين الذين وجدوا أنفسهم معزولين عن العالم، في وقت ما تزال فيه آثار العنف حاضرة في الشارع والذاكرة الجماعية.
ونقلت وكالة رويترز عن عضو كبير في البرلمان الإيراني، اليوم الاثنين، قوله إن طهران قد ترفع الحجب عن خدمات الإنترنت خلال أيام قليلة، بعد أن علقت السلطات الاتصالات واستخدمت القوة لإخماد الاحتجاجات الشعبية على تردي الأحوال المعيشية، وتأتي هذه التصريحات في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، وبعد أسوأ اضطرابات تشهدها البلاد منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وعلى امتداد أسبوع كامل منذ إخماد الاحتجاجات المناهضة للحكومة، بدت الشوارع الإيرانية هادئة إلى حد كبير، في مشهد يوحي بانتهاء موجة الغضب، لكنه يخفي تحت سطحه حالة من الترقب والخوف، وقد امتدت الاحتجاجات التي اندلعت في أواخر شهر ديسمبر بسرعة إلى مناطق واسعة خلال 3 أيام فقط، وشهدت أعمال عنف غير مسبوقة، قبل أن تواجه بحملة أمنية واسعة أنهت التحركات في الشارع بالقوة.
أرقام صادمة للخسائر البشرية
بحسب مسؤول إيراني تحدث لرويترز شريطة عدم الكشف عن هويته، تجاوز عدد القتلى المؤكدين 5000 شخص، بينهم 500 من أفراد قوات الأمن، وأشار إلى أن بعض أعنف الاشتباكات وقعت في المناطق ذات الأغلبية الكردية شمال غرب البلاد، في المقابل، تؤكد جماعات حقوقية إيرانية تتخذ من الغرب مقراً لها أن أعداد الضحايا قد تكون أعلى من ذلك بكثير، وسط صعوبة التحقق المستقل في ظل القيود المفروضة على الإعلام والاتصالات.
يتهم معارضو الحكومة السلطات بإطلاق النار على متظاهرين سلميين في محاولة لسحق أي صوت معارض، في حين تصر القيادة الإيرانية على أن ما جرى لم يكن احتجاجات سلمية، بل هجمات نفذتها مجموعات مسلحة بتحريض من أطراف أجنبية، استهدفت مستشفيات ومساجد ومقار رسمية، وهذا التباين الحاد في الروايات يعكس عمق الانقسام داخل المجتمع الإيراني، ويصعب معه الوصول إلى سردية جامعة لما حدث.
أعنف من احتجاجات 2009 و2022
وتشير التقديرات إلى أن حصيلة القتلى في هذه الموجة تفوق بكثير تلك التي سجلت خلال موجتي الاضطرابات المناهضة للحكومة في عامي 2009 و2022، ما يجعلها الأكثر دموية منذ أكثر من 4 عقود، وقد أثارت أعمال العنف تهديدات متكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل العسكري، قبل أن تتراجع حدة هذه التهديدات مع توقف القتل على نطاق واسع.
في قلب المشهد، يبرز ملف الإنترنت بوصفه أحد أكثر القضايا حساسية. فقد قال إبراهيم عزيزي رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إن الأجهزة الأمنية العليا ستقرر إعادة خدمة الإنترنت خلال الأيام المقبلة، مؤكداً أن الاستئناف الكامل للخدمة مرتبط باستقرار الأوضاع الأمنية، ويرى مراقبون أن هذه الخطوة، إن تمت، ستكون إشارة سياسية بقدر ما هي تقنية، تعكس محاولة لاحتواء الغضب الشعبي وإظهار قدر من المرونة بعد أسابيع من القمع.
انتقادات من داخل التيار المحافظ
في المقابل اعتبر عضو البرلمان المنتمي لغلاة المحافظين حميد رسائي أن السلطات الإيرانية أخطأت منذ البداية، مشيراً إلى أن تجاهل التحذيرات السابقة للمرشد الأعلى علي خامنئي بشأن ضعف الرقابة على الإنترنت أسهم في تفجر الأوضاع، وهذه التصريحات تكشف عن نقاش داخلي داخل أروقة السلطة حول كيفية إدارة الفضاء الرقمي، ودوره في التعبئة والاحتجاج.
وكانت الاتصالات الإيرانية، ومنها الإنترنت وخطوط الهاتف الدولية، قد انقطعت بشكل شبه كامل في الأيام التي سبقت اندلاع الاضطرابات، ومع بدء الاحتجاجات، فرضت السلطات تعتيماً رقمياً واسعاً، ما صعب نقل ما يجري داخل البلاد إلى الخارج. لاحقاً جرى تخفيف الانقطاع جزئياً، الأمر الذي سمح بظهور تقارير وصور توثق هجمات واسعة على المتظاهرين واستخدام القوة المفرطة.
اختراق التلفزيون الرسمي
وفي تطور لافت يعكس هشاشة السيطرة الإعلامية، بدا أن التلفزيون الرسمي الإيراني تعرض لاختراق في وقت متأخر من مساء أمس الأحد، حيث عرض لفترة وجيزة مواد غير معتادة على شاشاته، وظهرت مقاطع تضمنت خطابات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورسائل من رضا بهلوي نجل آخر شاه لإيران، في حادثة وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث الرمزية والتوقيت.
وخلال عملية الاختراق، عرضت فقرة استمرت عدة دقائق عنوانها الأخبار الحقيقية للثورة الوطنية الإيرانية، وتضمنت دعوات من رضا بهلوي إلى الإطاحة بحكم رجال الدين الشيعة الذين يديرون البلاد منذ ثورة 1979 التي أطاحت بوالده، وقد برز بهلوي في السنوات الأخيرة بوصفه أحد أبرز الأصوات المعارضة في الخارج، معلناً نيته العودة إلى إيران، رغم صعوبة قياس حجم الدعم الشعبي الفعلي الذي يحظى به داخل البلاد في ظل غياب استطلاعات مستقلة.
مستقبل غامض رغم الهدوء
ورغم الهدوء النسبي في الشوارع، يرى محللون أن جذور الأزمة لم تعالج بعد، وأن إعادة الإنترنت وحدها لن تكون كافية لتبديد الاحتقان، فالأوضاع الاقتصادية الصعبة، والقيود السياسية، وسقوط آلاف القتلى، كلها عوامل قد تعيد إشعال الغضب الشعبي في إيران في أي لحظة، إذا لم تقترن خطوات الانفراج بإصلاحات أعمق وأكثر شمولاً.
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخ طويل من التوتر بين السلطة والمجتمع في إيران، حيث لعبت الاحتجاجات دوراً محورياً في محطات مفصلية، أبرزها الثورة الإسلامية عام 1979، واحتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، والاضطرابات المتكررة خلال العقد الأخير، وفي كل مرة كان قطع الإنترنت وتقييد الإعلام من الأدوات الأساسية التي استخدمتها السلطات للسيطرة على الشارع، إلا أن الانتشار الواسع للتقنيات الرقمية وصعوبة عزل البلاد بالكامل جعلا من هذه الإجراءات سلاحاً ذا حدين، يزيد من عزلة إيران دولياً، ويعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، في وقت تبدو فيه الحاجة إلى حلول سياسية واقتصادية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.











