بإغلاق دور الرعاية الخاصة.. الأزمة الحقوقية تتعمق مع سياسات طالبان تجاه الأيتام

بإغلاق دور الرعاية الخاصة.. الأزمة الحقوقية تتعمق مع سياسات طالبان تجاه الأيتام
أطفال أيتام في أفغانستان- أرشيف

تتسع دائرة القلق الحقوقي في أفغانستان مع إعلان جديد لحركة طالبان يتعلق بمصير آلاف الأطفال الأيتام والمحرومين من الرعاية، فقد أعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية التابعة لطالبان عن نيتها إغلاق دور الرعاية الخاصة ونقل الأطفال المقيمين فيها إلى دور رعاية حكومية، في خطوة اعتبرها ناشطون تمهيدا لإحكام السيطرة الكاملة على واحدة من أكثر الفئات هشاشة في المجتمع الأفغاني.

وبحسب ما أوردته شبكة "أفغانستان إنترناشيونال" اليوم الاثنين، قال سميع الله إبراهيم المتحدث باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في رسالة مصورة إن السنوات الأربع الماضية شهدت إنشاء دور رعاية منفصلة للفتيان والفتيات في مختلف ولايات أفغانستان، مؤكدا أن هذه المؤسسات تعمل تحت إشراف الوزارة وبما يتماشى مع سياسات حركة طالبان الاجتماعية.

أرقام عامة بلا شفافية كاملة

وأوضح المتحدث أن أكثر من 10000 طفل يتيم أو محروم من الرعاية يعيشون حاليا تحت إشراف 60 دار رعاية تديرها الوزارة بشكل مباشر، غير أنه لم يقدم أرقاما دقيقة بشأن عدد دور الرعاية الخاصة التي يشملها قرار الإغلاق، رغم أن طالبان كانت قد أعلنت في أغسطس 2023 وجود 54 دار رعاية في البلاد، من بينها 30 دارا خاصة، وهو ما يثير تساؤلات حول مصير هذه المؤسسات وآليات نقل الأطفال منها.

وقالت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إن الهدف من هذا الإجراء هو دمج الأطفال الموجودين في المراكز الخاصة ضمن دور الرعاية الحكومية، بدعوى توفير خدمات أفضل وأكثر تنظيما تشمل التعليم والرعاية الصحية والدعم الاجتماعي. 

وترى الوزارة أن توحيد الإشراف يسهم في تحسين ظروف الأطفال وضمان متابعتهم ضمن نظام واحد.

غير أن هذا الإعلان جاء بعد أيام من حادثة أثارت جدلا واسعا في الأوساط الحقوقية والإعلامية، حين أعلن المغني الأفغاني المعروف شفيق مريد يوم السبت الماضي أن طالبان أغلقت دار الرعاية الخاصة بالأيتام التي كان يشرف عليها بأمر مباشر من الملا هبت الله، وأفاد مريد بأن الأطفال والمعدات نُقلوا إلى دور رعاية خاضعة لسيطرة طالبان دون إشعاره مسبقا أو منحه فرصة للطعن في القرار.

نقل قسري ومخاوف إنسانية

أعادت هذه الواقعة إلى الواجهة المخاوف من أن عمليات نقل الأطفال تتم بشكل قسري ودون مراعاة للروابط الإنسانية التي نشأت بينهم وبين القائمين على رعايتهم في الدور الخاصة، ويرى ناشطون أن هذه المؤسسات، رغم محدودية إمكانياتها، كانت توفر بيئات أكثر تنوعا وأقل تسييساً من المراكز الحكومية.

ويحذّر مراقبون من أن وضع الأطفال الأيتام في أفغانستان بالكامل تحت إدارة طالبان يفتح الباب أمام إخضاعهم لتنشئة أيديولوجية صارمة، خاصة في بلد أنهكته الحروب على مدى أكثر من 20 عاما، وفقدت خلاله آلاف الأسر معيلها الوحيد، ويخشى كثيرون أن تتحول دور الرعاية الحكومية إلى أدوات لإعادة إنتاج فكر الحركة داخل جيل جديد نشأ في ظل العنف والحرمان.

في أفغانستان اليوم، لا يواجه الطفل اليتيم فقط فقدان والديه، بل يواجه أيضا غياب الخيارات؛ فمع إغلاق دور الرعاية الخاصة وتراجع دور المجتمع المدني، يجد الأطفال أنفسهم محاصرين داخل منظومة رسمية لا تتيح لهم سوى مسار واحد للحياة والتعليم والتفكير، ويؤكد عاملون سابقون في المجال الإنساني أن التنوع في أنماط الرعاية كان يشكل عامل أمان نفسي واجتماعي للأطفال.

سجل حقوقي مثير للقلق

ويأتي هذا القرار في سياق أوسع من الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى حركة طالبان منذ عودتها إلى الحكم، حيث طالت القيود النساء والفتيات ووسائل الإعلام والمؤسسات المدنية، ويرى حقوقيون أن السيطرة على دور الأيتام تمثل حلقة جديدة في سلسلة إحكام القبضة على المجتمع من جذوره، بدءا من الأطفال.

يزيد من حدة القلق غياب أي آليات رقابة مستقلة أو إشراف دولي على دور الرعاية الحكومية، ما يصعب التحقق من طبيعة البرامج التعليمية والدينية التي يتلقاها الأطفال، أو من ظروفهم المعيشية اليومية، كما لا تتوفر معلومات واضحة حول مصير العاملين في دور الرعاية الخاصة بعد إغلاقها.

صمت دولي وتساؤلات مفتوحة

حتى الآن، لم يصدر رد فعل دولي واسع على هذه الخطوة، رغم التحذيرات المتكررة من منظمات حقوق الإنسان بشأن أوضاع الأطفال في أفغانستان. 

ويطرح هذا الصمت تساؤلات حول قدرة المجتمع الدولي على حماية الفئات الضعيفة في بلد يعاني عزلة سياسية واقتصادية خانقة.

تعاني أفغانستان منذ عقود من آثار الحروب المتواصلة التي خلّفت أعدادا كبيرة من الأيتام والأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، وبعد سيطرة طالبان على الحكم في أغسطس 2021، تراجع دور المنظمات الدولية والمحلية العاملة في مجال الطفولة نتيجة القيود الأمنية والإدارية، وكانت دور الرعاية الخاصة تمثل أحد البدائل المحدودة لتقديم الدعم للأطفال خارج الإطار الحكومي، ومع القرارات الأخيرة بإغلاق هذه الدور ودمج الأطفال في مؤسسات تابعة لطالبان، تتصاعد المخاوف من فقدان ما تبقى من التعددية في الرعاية الاجتماعية، ومن تأثير ذلك على مستقبل جيل كامل ينشأ في بيئة شديدة الانغلاق، في بلد لا يزال يبحث عن طريقه نحو الاستقرار والعدالة الاجتماعية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية