خطاب مزدوج.. كيف تُدار أموال العمل الخيري بعيداً عن العدالة المناخية؟

خطاب مزدوج.. كيف تُدار أموال العمل الخيري بعيداً عن العدالة المناخية؟
بيل غيتس - أرشيف

كشف تحليل نشرته صحيفة الغارديان عن تناقض صارخ بين الخطاب المناخي المعلن لصندوق مؤسسة بيل غيتس الخيرية ومسار استثماراته الفعلية، في لحظة يتصاعد فيها الجدل الحقوقي حول مسؤولية الفاعلين الخيريين تجاه الحق في بيئة سليمة والحق في التنمية العادلة.

يُظهر التحليل أن الصندوق استثمر 254 مليون دولار في شركات استخراج الوقود الأحفوري خلال عام 2024، وهو أعلى مستوى تسجله هذه الاستثمارات خلال تسع سنوات، رغم مزاعم سابقة بسحب الاستثمارات منذ عام 2019.

يوضح التقرير أن هذه الاستثمارات شملت شركات كبرى في قطاع الوقود الأحفوري، منها شيفرون وبي بي وشل، وهو ما يمثل، وفق أرقام الغارديان، زيادة بنسبة 21% مقارنة بعام 2016، وبعد تعديل الأرقام وفق التضخم، تُعد هذه النسبة العليا منذ عام 2019، ما يعيد فتح الأسئلة الحقوقية حول التزامات المؤسسات الخيرية تجاه أزمة المناخ، وتأثير قراراتها الاستثمارية في الفئات الأكثر هشاشة.

ويضع التقرير هذه الأرقام في سياق أوسع عبر التذكير بالمكانة الاقتصادية لصاحب المؤسسة، إذ صنّفت مجلة فوربس رجل الأعمال والملياردير التقني مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس بوصفه أغنى رجل في العالم لمعظم السنوات بين عامي 1995 و2017. وفي عام 2000 أسس غيتس مع زوجته آنذاك ميليندا غيتس مؤسسة غيتس الخيرية التي أصبحت ثالث أكبر مؤسسة خيرية في العالم، وتعمل في مجالات تشمل الصحة العامة، والحد من الفقر، والتعليم، والتكيف مع تغير المناخ.

الضغط الأخلاقي

يعود الجدل حول سحب الاستثمارات إلى عام 2015، حين تصاعدت حملة عالمية قادها نشطاء مناخ، وشخصيات دينية، وطلاب، ومنظمات خيرية، دعت المؤسسات الكبرى إلى التخلي عن الاستثمار في الوقود الأحفوري، وفي مارس من العام نفسه، أطلقت "الغارديان" حملة عنوانها "أبقِها في باطن الأرض"، طالبت فيها مؤسسات كبرى، منها مؤسسة غيتس الخيرية، بـ"نزع الشرعية عن نماذج أعمال الشركات التي تستخدم أموال المستثمرين للبحث عن مزيد من الفحم والنفط والغاز التي لا يمكن حرقها بأمان".

تُظهر البيانات التي نشرتها الصحيفة البريطانية أن المؤسسة، قبل تلك الحملة، كانت تستثمر بكثافة في الوقود الأحفوري، إذ بلغت قيمة استثماراتها 1.4 مليار دولار في عام 2013.

وفي كتابه الصادر عام 2021 بعنوان كيف نتجنب كارثة مناخية، كتب مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس أنه فهم سبب استهداف "الغارديان" لمؤسسته، وأبدى إعجابه بحماس الناشطين، لكنه ظل متشككاً في جدوى سحب الاستثمارات وحده، معتبراً أنه لا يوقف تغير المناخ ولا يساعد الفقراء.

ويرصد تحليل الغارديان أن المؤسسة غيّرت موقفها لاحقاً وباعت جزءاً كبيراً من أسهمها وسنداتها في قطاع الوقود الأحفوري، ومنها معظم حصتها البالغة 187 مليون دولار في شركة بي بي، وحصتها البالغة 824 مليون دولار في شركة إكسون موبيل. 

وبحسب التحليل ذاته، انخفضت استثمارات الصندوق في شركات استخراج الوقود الأحفوري من 1.4 مليار دولار عام 2013 إلى 260 مليون دولار عام 2015.

يدعم هذا المسار ما دعا إليه غيتس نفسه في ورقة بحثية نُشرت عام 2015، حين طالب بزيادة استثمارات الحكومات في مصادر الطاقة النظيفة، مجادلاً بأن ترك السوق وحده لتوجيه الاستثمار يقود إلى مكاسب قصيرة الأجل، تحديداً في شركات الوقود الأحفوري.

عودة الاستثمار الأحفوري

يكشف مسار السنوات اللاحقة عن انعكاس واضح في اتجاه الاستثمارات، إذ ارتفعت قيمة استثمارات الصندوق في عدد من شركات الوقود الأحفوري منذ عام 2015، فقد زادت استثماراته في شركة غلينكور من 5.7 مليون دولار عام 2015 إلى 14.1 مليون دولار عام 2024، وارتفعت استثماراته في شركة بي بي من 8.7 مليون دولار إلى 24.2 مليون دولار خلال الفترة نفسها.

ويسجل التقرير أيضاً زيادة في استثمارات الصندوق في شركة أوكسيدنتال بتروليوم التي تفاخرت باحتجاز ثاني أكسيد الكربون ثم إعادة ضخه في حقول النفط لتعزيز الإنتاج.

يعود جزء من هذا النمو إلى ارتفاع أسعار الأسهم، وليس إلى ضخ استثمارات جديدة بالكامل، إلا أن النتيجة النهائية تظل ارتفاعاً فعلياً في حجم التعرض لقطاع الوقود الأحفوري.

يستعيد غيتس في كتابه الصادر عام 2021 موقفه الشخصي من الاستثمار في هذا القطاع، إذ كتب أنه لا يرغب في تحقيق أرباح من ارتفاع أسعار أسهم شركات النفط والغاز بسبب تأخير التحول إلى بدائل خالية من الكربون، مؤكداً أنه تخلص في عام 2019 من جميع استثماراته المباشرة في تلك الشركات، كما فعل الصندوق الاستئماني الذي يدير وقف مؤسسة غيتس.

ويوثق التحليل أن استثمارات الصندوق الاستئماني انخفضت بالفعل إلى 133 مليون دولار بحلول نهاية عام 2020، لكنها عادت للارتفاع لاحقاً، مع ظهور استثمارات جديدة في شركات إنتاج، أبرزها شركة إنبكس التي بلغت حصة الصندوق فيها 139 مليون دولار عام 2024، بزيادة سبعة أضعاف مقارنة بـ20 مليون دولار في عام 2020.

خطاب المناخ والحقوق

ينتقد تقرير آخر نشرته الصحيفة نفسها نوفمبر الماضي، مذكرة مناخية أصدرها الملياردير التقني بيل غيتس، رأى فيها عدد من علماء المناخ أنها تعتمد على مغالطات منطقية و"ثنائيات زائفة" بين الإنفاق على المناخ ومساعدة الفقراء.

دعت المذكرة المؤلفة من 17 صفحة إلى تحويل استراتيجي يقلل التركيز على خفض الانبعاثات لأجل التركيز على منع الفقر والمعاناة.

ينقل التقرير عن الباحث العلمي زيك هاوسفاذر من بيركلي إيرث قوله إن تمويل خفض الانبعاثات يجب ألا يكون على حساب المساعدات الموجهة للقضاء على الجوع أو الفقر، مؤكداً أن العالم لا يعمل وفق منطق "المحصلة الصفرية"، كما نقل عن كبيرة العلماء كاثرين هايهو في منظمة حماية الطبيعة قولها إن حديث غيتس عن أن الاحتباس الحراري لن يؤدي إلى فناء البشرية يُسيء فهم تحذيرات العلماء الذين يؤكدون أن المعاناة تزداد مع كل ارتفاع إضافي في درجات الحرارة.

ويضيف عالم المناخ دانيال سوين من جامعة كاليفورنيا للزراعة والموارد الطبيعية أن المذكرة الصادرة عن شخصية نافذة تتحكم في أموال طائلة ترتكز على ثنائية زائفة بين عالم يسوده السلام ونهاية العالم، محذراً من معاناة بشرية هائلة نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر والجفاف والفيضانات.

التكيف بدل الخفض

ويورد تقرير لوكالة رويترز أن الفاعل الخيري والمستثمر بيل غيتس دعا، قبيل انعقاد مؤتمر الأطراف الثلاثين للمناخ (COP30) في البرازيل، قادة العالم إلى التركيز على التكيف مع الظواهر الجوية المتطرفة وتحسين النتائج الصحية، بدل التركيز الحصري على أهداف خفض درجات الحرارة.

ونقل عن غيتس قوله إن تغير المناخ خطر لكنه "ليس نهاية الحضارة"، داعياً إلى قياس التقدم عبر تحسين رفاه الإنسان، خصوصاً في المناطق الأكثر عرضة للخطر.

ويشير التقرير إلى أن الوفيات المباشرة الناتجة عن الكوارث الطبيعية انخفضت بنسبة 90% خلال القرن الماضي، لتراوح بين 40 ألفاً و50 ألف وفاة سنوياً، في حين أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن المخاطر المناخية تسببت في مقتل أكثر من مليوني شخص خلال العقود الخمسة الماضية، ووقعت 90% من هذه الوفيات في البلدان النامية.

يبرز هذا التباين توتراً مستمراً بين إدارة أموال العمل الخيري، والخطاب المناخي، والالتزامات الحقوقية المرتبطة بحماية الفئات الأضعف من تداعيات أزمة لم يكن لها دور في صنعها، لكنها تتحمل كلفتها الكبرى.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية