إسرائيل تستهدف منشآت الأونروا بالقدس والوكالة تحذّر من انهيار منظومة الحصانات الدولية
إسرائيل تستهدف منشآت الأونروا بالقدس والوكالة تحذّر من انهيار منظومة الحصانات الدولية
بدأت جرافات إسرائيلية صباح يوم الثلاثاء عمليات هدم لمنشآت داخل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في القدس الشرقية المحتلة، في خطوة أثارت موجة واسعة من الإدانات والتحذيرات الدولية، ووصفتها الوكالة الأممية بأنها هجوم غير مسبوق يمس جوهر القانون الدولي ونظام الحصانات الذي تقوم عليه الأمم المتحدة.
وأفادت وكالة فرانس برس بأن القوات الإسرائيلية اقتحمت مجمع الأونروا بعد الساعة 07:00 صباحا بالتوقيت المحلي، حيث شرعت جرافات ثقيلة في هدم منشآت داخل المقر، وسط وجود أمني مكثف، فيما شوهد علم إسرائيل مرفوعا فوق المبنى الرئيسي للوكالة.
اقتحام وهدم تحت حماية عسكرية
وقال المتحدث باسم الأونروا جوناثان فولر إن القوات الإسرائيلية دخلت المجمع بشكل مفاجئ وبدأت على الفور أعمال الهدم، معتبرا ما جرى انتهاكا خطيرا للقانون الدولي ولامتيازات وحصانات الأمم المتحدة، وأكد أن استهداف مقر تابع لمنظمة أممية يمثل سابقة خطيرة، محذرا من أن ما يحدث اليوم للأونروا قد يتكرر غدا بحق أي منظمة دولية أو بعثة دبلوماسية في أي مكان في العالم.
وأضاف فولر أن الهجوم يحمل دلالات تتجاوز الأضرار المادية، ويمس بشكل مباشر الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي القائم على احترام المؤسسات الأممية وضمان قدرتها على العمل في مناطق النزاع دون تهديد أو تدخل.
حضور سياسي ورسائل ميدانية
وأظهرت مشاهد ميدانية وجود معدات هندسية ثقيلة وهي تدمر منشأة واحدة على الأقل داخل المجمع، كما أفاد مصور الوكالة بأن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير حضر إلى الموقع وبقي فيه لفترة قصيرة، في ما اعتبره مراقبون رسالة سياسية واضحة تتجاوز الطابع التنفيذي للعملية.
وفي المقابل، قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيان إن ما جرى لا يمثل سياسة جديدة، بل يأتي في إطار تنفيذ تشريع إسرائيلي قائم يتعلق بما وصفته بعلاقة الأونروا بحركة حماس.
وكررت إسرائيل اتهاماتها للوكالة بتوفير غطاء لمقاتلي الحركة، مدعية أن بعض موظفيها شاركوا في هجوم أكتوبر 2023 الذي أشعل الحرب في غزة.
اتهامات بلا أدلة قاطعة
ورغم إجراء إسرائيل تحقيقات داخلية أشارت إلى تسجيل بعض القضايا المتعلقة بالحياد داخل الأونروا، فإنها لم تقدم حتى الآن أدلة قاطعة تثبت تورط موظفين تابعين للوكالة في أنشطة وصفتها بالإرهابية، وهو ما تؤكد الأمم المتحدة أنه لم يتم إثباته وفقا للمعايير القانونية الدولية.
ويخلو مقر الأونروا في القدس الشرقية من الموظفين منذ يناير 2025، عقب مواجهة سياسية وقانونية استمرت أشهرا بين إسرائيل والأمم المتحدة بشأن دور الوكالة في تقديم المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، وانتهت بقرار إسرائيلي يمنع الأونروا من العمل داخل إسرائيل.
موقف إسرائيلي
وقالت الخارجية الإسرائيلية إن الوكالة توقفت عن العمل في الموقع ولم يعد هناك أي نشاط تابع للأمم المتحدة داخله، معتبرة أن المجمع لا يتمتع بأي حصانة، وأن السلطات الإسرائيلية وضعت يدها عليه وفقا للقانونين الإسرائيلي والدولي.
غير أن الأمم المتحدة شددت في وقت سابق على أن الأونروا تواصل عملها في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، مؤكدة أن القرار الإسرائيلي لا يلغي الوضع القانوني للوكالة ولا يسقط الحصانات التي تتمتع بها بموجب القانون الدولي.
تحذير أممي من سابقة خطيرة
من جانبه، قال المستشار الإعلامي للأونروا عدنان أبو حسنة، في تصريحات صحفية إن هدم منشآت داخل مجمع الوكالة في حي الشيخ جراح يمثل مستوى جديدا من التحدي الصريح والمتعمد للقانون الدولي، بما في ذلك الامتيازات والحصانات الممنوحة للأمم المتحدة، وأوضح أن اقتحام مقر أممي بحضور مشرعين إسرائيليين وأحد أعضاء الحكومة يشكل هجوما غير مسبوق على وكالة تابعة للأمم المتحدة.
وأكد أبو حسنة أن إسرائيل بصفتها عضوا في الأمم المتحدة ملزمة بحماية واحترام حرمة مقار المنظمة الدولية وعدم المساس بها، محذرا من أن ما يجري يشكل جرس إنذار حقيقيا للمجتمع الدولي في ظل ما وصفه بتآكل متسارع لمكانة القانون الدولي.
استهداف ممنهج لوجود الأونروا
وأشار أبو حسنة إلى أن عملية الهدم تأتي ضمن سلسلة إجراءات تصعيدية تستهدف وجود الأونروا في القدس الشرقية، لافتا إلى أنه في 14 يناير اقتحمت القوات الإسرائيلية مركزا صحيا تابعا للوكالة وأصدرت أوامر بإغلاقه، كما حذر من مخططات لقطع إمدادات المياه والكهرباء عن مرافق الأونروا الصحية والتعليمية خلال الأسابيع المقبلة.
وأوضح أن هذه الإجراءات ترتبط بشكل مباشر بالتشريعات التي أقرها الكنيست الإسرائيلي في ديسمبر، والتي شددت القوانين المناهضة لعمل الوكالة، وهي تشريعات سبق تبنيها خلال عام 2024، وتهدف بحسب وصفه إلى طمس هوية اللاجئين الفلسطينيين وتقويض دور الأونروا.
وأضاف أبو حسنة أن هذه الممارسات تتناقض بشكل واضح مع حكم محكمة العدل الدولية الصادر في أكتوبر، والذي أكد التزام إسرائيل بتسهيل عمل الأونروا وعدم عرقلته، وشدد على أن إسرائيل لا تملك أي ولاية قضائية على القدس الشرقية بموجب القانون الدولي.
وشدد على أن استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الانتهاكات يهدد بتقويض منظومة القانون الدولي برمتها، محذرا من أن غياب رد فعل حازم قد يشجع على تكرار مثل هذه الانتهاكات في مناطق نزاع أخرى حول العالم.
إدانة أردنية وتحذير إقليمي
وعلى الصعيد الإقليمي، أدان الأردن بشدة عمليات الهدم، معتبرا أنها تشكل تصعيدا خطيرا وخرقا فاضحا للقانون الدولي وانتهاكا صريحا لحصانات وامتيازات منظمات الأمم المتحدة، وأكد الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية فؤاد المجالي رفض المملكة المطلق لهذا الفعل، محذرا من الحملة الممنهجة التي تستهدف الأونروا وأنشطتها الحيوية التي لا يمكن إلغاؤها أو استبدالها.
تأسست وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا عام 1949 لتقديم الدعم الإنساني والتعليمي والصحي لملايين اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن ولبنان وسوريا، وعلى مدى أكثر من 70 عاما، لعبت الوكالة دورا محوريا في استقرار المجتمعات اللاجئة، لكنها واجهت باستمرار اتهامات وضغوطا سياسية إسرائيلية تهدف إلى تقليص دورها أو إنهائه، وبموجب اتفاقية موقعة عام 1946، تتمتع الأمم المتحدة ومؤسساتها بحصانة كاملة من المصادرة والضرائب والتدخل من قبل الدول المضيفة، وهو ما يجعل استهداف مقار الأونروا في القدس الشرقية اختبارا خطيرا لمدى التزام المجتمع الدولي بحماية النظام الأممي ومنع تقويض أسسه القانونية.










