هواء سام وبيانات غائبة.. كيف يقاوم الباكستانيون أخطر أزمات التلوث؟

هواء سام وبيانات غائبة.. كيف يقاوم الباكستانيون أخطر أزمات التلوث؟
تلوث الهواء في باكستان

في مدن باكستان الكبرى، لم يعد الهواء مجرد عنصر غير مرئي يحيط بالحياة اليومية، بل تحوّل إلى تهديد دائم يتسلل إلى الرئتين ويثقل كاهل المستشفيات ويحرم الأطفال من مدارسهم، ومع تسجيل مستويات قياسية من تلوث الهواء لم تشهدها البلاد منذ سنوات، وجد المواطنون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع أزمة صحية وبيئية تتفاقم كل شتاء، في ظل ما يعتبره كثيرون تقاعسا رسميا عن اتخاذ إجراءات كافية وحاسمة.

ونقلت وكالة فرانس برس مساء الأربعاء أن مواطنين باكستانيين شرعوا، بسبب غياب البيانات الرسمية الشفافة، في تركيب أجهزة استشعار منخفضة التكلفة لقياس جودة الهواء، بهدف تنبيه الرأي العام في باكستان، وتوفير أدلة علمية تدعم التحركات القانونية والضغط على السلطات للتحرك، في بلد يزيد عدد سكانه على 255 مليون نسمة.

ضباب خانق يغطي المدن

كل شتاء، تتغطى مدن رئيسية مثل لاهور المحاذية للهند، وكراتشي الساحلية، والعاصمة إسلام آباد، بطبقة كثيفة من الضباب الدخاني، تحجب الرؤية وتخنق الحياة، وبات هذا الضباب الذي تصفه السلطات أحيانا بأنه ظاهرة موسمية، في نظر السكان علامة دائمة على اختلال بيئي خطير، ويؤكد كثيرون أن ما تشهده البلاد اليوم لم يكن مألوفا قبل عقود، وأن حدته تتزايد عاما بعد آخر.

بداية مبادرات الرصد الشعبي

في عام 2016، كان المهندس ورجل الأعمال عابد عمر من أوائل من دقوا ناقوس الخطر، ومع ندرة البيانات الرسمية حول جودة الهواء، أسس شبكة مستقلة حملت اسم باكستان اير كواليتي إنيشيتيف، تحولت لاحقا إلى واحدة من أهم مصادر المعلومات المفتوحة حول تلوث الهواء في باكستان، وتضم هذه الشبكة اليوم نحو 150 جهاز استشعار موزعة في مناطق مختلفة، وتوفر بيانات آنية يستخدمها باحثون وناشطون ومواطنون عاديون.

يقول عابد عمر البالغ 45 عاما إن الضباب الدخاني لم يكن موجودا بهذا الشكل عندما كان طفلا، معتبرا أن التقليل من خطورة الظاهرة أو وصفها بالموسمية يسهم في تأجيل الحلول الجذرية، ويترك ملايين الناس عرضة لمخاطر صحية جسيمة.

أرقام صادمة وتأثيرات قاتلة

بفضل البيانات التي جمعتها مبادرات محلية وشركات دولية، من بينها شركة آي كيو إير السويسرية، صُنفت باكستان ثالث أكثر دول العالم تلوثا في عام 2024، وتشير البيانات إلى أن تركيز الجسيمات الدقيقة بي ام 2.5 في الهواء يزيد بنحو 14 مرة على الحد الأقصى الموصى به من قبل منظمة الصحة العالمية.

ووفقا لتقديرات البنك الدولي، تسبب تلوث الهواء في نحو 230000 حالة وفاة مبكرة في باكستان خلال عام 2019 وحده، بكلفة اقتصادية تعادل 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذه الأرقام تعكس حجم الخسارة البشرية والاقتصادية التي تتحملها البلاد بصمت.

المستشفيات تحت الضغط

هذا المزيج من الضباب الدخاني والانبعاثات السامة الناتجة عن استخدام وقود ديزل منخفض الجودة، وعمليات الحرق الزراعي الموسمية، وبرودة الشتاء التي تزيد ركود الهواء، يؤدي إلى اكتظاظ المستشفيات، خاصة أقسام الطوارئ والأمراض الصدرية، كما يحرم ملايين الأطفال من التعليم، إذ تضطر المدارس في بعض الفترات إلى الإغلاق أو تقليص ساعات الدراسة بسبب خطورة الخروج في الهواء الطلق.

البيانات في مواجهة الإنكار

لعبت أجهزة الاستشعار التابعة لمبادرة باكستان اير كواليتي إنيشيتيف دورا محوريا في دفع القضاء للاعتراف بخطورة الضباب الدخاني، فقد اعترفت محكمة لاهور العليا رسميا بأن الضباب الدخاني يشكل خطرا حقيقيا من أشكال تلوث الهواء، بعد عرض بيانات حية أظهرت أن جودة الهواء داخل قاعة المحكمة نفسها كانت عند مستويات خطرة.

يقول عابد عمر إن إدارة حماية البيئة في إقليم البنجاب كانت تنكر المشكلة في البداية، لكن الأدلة الميدانية أجبرتها على الاعتراف، ما دفع المحكمة إلى إلزام الحكومة بنشر محطات رسمية لمراقبة جودة الهواء، بلغ عددها حاليا 44 محطة، مع إتاحة بياناتها للعامة.

رغم هذه الخطوات، لا تزال السلطات تفرض رقابة مشددة على أجهزة الاستشعار الخاصة، بحجة أنها غير دقيقة وتثير الذعر، غير أن باحثين يؤكدون أن هذه الأجهزة ضرورية لسد الفجوات في البيانات الرسمية، التي توصف غالبا بأنها غير مكتملة أو تفتقر إلى الشفافية، خاصة خلال فترات الذروة عندما تتوقف بعض المحطات عن العمل.

مبادرات محلية لتغيير السلوك

في إسلام آباد، أطلق الأكاديمي الدكتور طه علي، بالتعاون مع زميله عمير شهيد، شبكة رصد محلية باسم أصدقاء الهواء النظيف المهتمون، وخلال 3 سنوات، قاما بنشر 12 جهاز استشعار صغيرة الحجم صُنعت باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد، بكلفة تقارب 50 دولارا للجهاز الواحد.

ورغم عدم حصول هذه الأجهزة على ترخيص رسمي، فإنها كشفت عن مؤشرات مقلقة من تلوث الهواء في الأحياء السكنية، وأسهمت في رفع وعي السكان، ويقول عمير شهيد إنه اضطر إلى تعديل مواعيد نزهاته العائلية لتجنب فترات ذروة التلوث صباحا ومساء، كما قررت مجموعات رياضية في الحدائق تغيير مواعيد أنشطتها بناء على هذه البيانات.

من الوعي إلى القضاء

لم يتوقف تأثير هذه المبادرات عند تغيير العادات اليومية، بل امتد إلى تحركات قانونية، ففي عام 2024، رفعت الناشطة المناخية هانيا عمران البالغة 22 عاما دعوى قضائية ضد الدولة، مطالبة بحقها في تنفس هواء نقي، ومذكرة السلطات بالتزاماتها المتعلقة بالتحول إلى أنواع وقود أنظف.

وتؤكد عمران أن تحميل المسؤولية لدول مجاورة أو لحرق المحاصيل وحده لا يكفي، معتبرة أن الأزمة داخلية وتتطلب حلولا شاملة، تشمل تطوير وسائل نقل عامة مستدامة، وتخطيطا عمرانيا يقلل من الاعتماد على المركبات الملوثة.

تعاني باكستان منذ سنوات من أزمة تلوث هواء متفاقمة، نتيجة النمو الحضري السريع، والاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري، وضعف تطبيق القوانين البيئية، ويعد الضباب الدخاني الشتوي أحد أخطر مظاهر هذه الأزمة، حيث يتسبب في أضرار صحية واقتصادية واسعة النطاق، ورغم إعلان السلطات عن إجراءات متفرقة مثل تنظيم صناعة الطوب وفرض غرامات على المركبات الملوثة، يرى خبراء أن هذه الخطوات لا ترقى إلى مستوى التحدي، وفي ظل نقص الثقة بالبيانات الرسمية، برزت مبادرات المواطنين كأداة حيوية لكشف الواقع، والدفع نحو مساءلة أكبر، في محاولة لإنقاذ حق أساسي بات مهددا وهو الحق في هواء نقي.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية