"الأمل الأبيض العظيم".. "الغارديان": خطاب ترامب في دافوس يشرّع الكراهية والتمييز
"الأمل الأبيض العظيم".. "الغارديان": خطاب ترامب في دافوس يشرّع الكراهية والتمييز
كشف ظهور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتدى دافوس 2026 عن تحوّل خطير في طبيعة الخطاب السياسي على المنصات الدولية، بعدما تحوّلت قاعة يفترض أنها مخصّصة للنقاش الاقتصادي العالمي إلى مساحة لإعادة إنتاج خطاب عنصري يُهدد حقوق الأقليات ويُقوّض مبادئ عدم التمييز.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة "الغارديان"، لم يكن خطاب ترامب مجرد مداخلة مثيرة للجدل، بل إعادة تقديم صريحة لفكرة "الأمل الأبيض العظيم"، حيث قدّم نفسه حارسًا للحضارة الغربية في مواجهة "الآخر"، مستخدمًا لغة تنتمي إلى قاموس اليمين المتطرف القائم على التفوق العرقي والفرز الثقافي.
استعرض ترامب خطابه عبر سلسلة من الإهانات العلنية لقادة أوروبيين، والسخرية من شعوب وحكومات، معتبرًا أن أوروبا "لم تعد تُعرف"، ومُرجعًا ذلك إلى ما وصفه بـ"الهجرة الجماعية غير المنضبطة".
ووفق التحليل، فإن هذه اللغة لا تُقرأ بوصفها زلات لسان، بل باعتبارها عناصر متكاملة في خطاب أيديولوجي يرى الهجرة تهديدًا وجوديًا، لا مسألة حقوق إنسان أو حماية دولية.
وقدّم الرئيس الأمريكي نفسه بوصفه امتدادًا مباشرًا لما سمّاه "الإرث الحضاري الأوروبي"، مؤكدًا أمام المنتدى الاقتصادي العالمي أن أصوله "100% أوروبية"، وأن الولايات المتحدة وأوروبا تشتركان في "حضارة واحدة" يجب الدفاع عنها.
ويؤكد التحليل أن هذا التأكيد على النقاء العرقي والثقافي يعيد إلى الواجهة واحدة من أخطر السرديات العنصرية المعاصرة، التي تُقسّم العالم بين "حضارة متفوّقة" و"ثقافات فاشلة".
خطاب الكراهية
استهدف ترامب بشكل مباشر الجالية الصومالية، مستخدمًا لغة عنصرية صريحة ربطت بين الانتماء العرقي والجريمة والاحتيال، حين زعم أن "قطاع طرق صوماليين" سرقوا أكثر من 19 مليار دولار من أموال الحكومة الأمريكية.
وبحسب ما نقلته صحيفة "واشنطن بوست"، فإن هذه التصريحات تمثّل تصعيدًا واضحًا في الهجمات التي شنّها ترامب على المهاجرين السود، ونقلها من الساحة الداخلية إلى منصة دولية.
وحذّر مدير مركز النهوض المجتمعي في معهد بروكينغز، أندريه بيري، في حديث نقلته الصحيفة الأمريكية، من أن مثل هذه التصريحات لا تبقى في إطار الخطاب، بل تتحول تدريجيًا إلى سياسات عامة تُلحق الضرر بشرائح واسعة من المجتمع، مؤكدا أن التعامل مع تصريحات ترامب باعتبارها "أسلوبًا شخصيًا" يُغفل أثرها التراكمي في تمهيد الأرض لقرارات تمييزية.
وربطت الصحيفة بين خطاب دافوس وسجل ترامب الطويل في استهداف المهاجرين من دول ذات أغلبية سوداء، مستعيدًا تصريحاته السابقة عن "الدول البائسة"، ومزاعمه التي دُحضت بشأن مهاجرين هايتيين، وهو ما انعكس في مضايقات وتهديدات تعرّضت لها الجاليات المستهدفة.
وأبرز المدير التنفيذي لفرع مينيسوتا لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، جيلاني حسين، أن الغالبية العظمى من اللاجئين الصوماليين دخلوا الولايات المتحدة بطرق قانونية، وأن الخطاب الرئاسي لا يستهدف الهجرة غير النظامية بقدر ما يستهدف السود كجماعة، وأضاف أن هذا النمط من الخطاب يهدف إلى الإقصاء، لا إلى إصلاح سياسات الهجرة.
من التعددية إلى الإكراه
وسّع خطاب ترامب في دافوس نطاقه ليشمل النظام الدولي ذاته، حين قدّم رؤية قائمة على القوة والإكراه بدل التعددية والقواعد المشتركة.
ووفق ما أوردته مجلة "تايم"، استغل الرئيس الأمريكي المنصة العالمية للترويج لفكرة ضم غرينلاند، معتبرًا أنها "أرضنا" ولا يمكن الدفاع عنها إلا بالملكية الكاملة، مع تلويح مبطّن باستخدام القوة رغم إعلانه عدم رغبته في ذلك.
أعاد هذا الطرح إحياء منطق "قانون الأقوى" في العلاقات الدولية، حيث ربط ترامب بين الأمن والهيمنة، وبين الاستقرار واستخدام الضغط الاقتصادي والعسكري.
وأكدت المجلة أن هذه اللغة أثارت قلقًا واسعًا لدى حلفاء الولايات المتحدة، لما تحمله من تهديد مباشر للتحالفات التي تشكّلت منذ الحرب العالمية الثانية.
قارن ترامب نفسه خلال الخطاب بدور "المهندس الرئيسي" للاستقرار العالمي، معتبرًا أن ازدهار العالم مرهون بازدهار الولايات المتحدة، ومؤكدًا أن الدول الأخرى عليها "الاقتداء بما نفعله" أو دفع الثمن.
وترى "تايم" أن هذا الخطاب يعكس تحوّل المنتدى الاقتصادي العالمي من مساحة لبناء التوافق إلى ساحة للتكيّف مع نزعة أحادية أكثر عدوانية.
"شرخ" في النظام الدولي
يذكر أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، انتقد خلال المنتدى، هذا المسار محذرًا من "شرخ" في النظام الدولي القائم على القواعد، ومشيرًا إلى أن الأقوياء باتوا يفعلون ما يشاؤون بينما يتحمل الضعفاء العواقب، كما رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منطق الإكراه، مؤكدًا أن أوروبا لن تقبل "قانون الأقوى".
تكمن خطورة خطاب ترامب، كما تُظهره المصادر الثلاثة، في كونه لم يُلقَ في تجمع حزبي مغلق، بل من منصة دولية تمنح شرعية رمزية للأفكار المطروحة.
وترى الغارديان أن هذا السياق يُضاعف الأثر الحقوقي للخطاب، إذ يُسهم في تطبيع أفكار تقوم على الإقصاء العرقي وتقويض مبدأ المساواة.
يتجلّى هذا الخطر في الربط المتكرر بين الهجرة والانحطاط الحضاري، وبين التنوع والضعف، وهو خطاب يتناقض جوهريًا مع التزامات الدول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما ما يتعلق بحظر التمييز العنصري وحماية الأقليات من خطاب الكراهية.
وتعكس تغطية "واشنطن بوست" كيف تُترجم هذه اللغة إلى سياسات، من خلال تشديد إجراءات الهجرة، ووقف إصدار التأشيرات لعشرات الدول ذات الأغلبية السوداء، وتنفيذ حملات ترحيل واسعة شملت ولايات تضم جاليات صومالية كبيرة.
وتؤكد "تايم"، في ختام تغطيتها، أن عودة ترامب إلى هذا النوع من الخطاب أعادت فتح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الدولي: هل لا يزال قائمًا على القواعد والتعددية، أم أنه يتجه نحو عالم تُدار فيه العلاقات بمنطق الهيمنة، وتُقدَّم فيه الحقوق كتفصيل ثانوي أمام القوة؟










