"قسد" تفقد السيطرة.. انتكاسة للأكراد في خضم إعادة ترتيب الدولة السورية

"قسد" تفقد السيطرة.. انتكاسة للأكراد في خضم إعادة ترتيب الدولة السورية
فتاة ترفع علم الأكراد

شهدت مناطق واسعة من سوريا هذا الشهر خسارة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد السيطرة في ظل مساعي القوات الحكومية الجديدة تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع لدمج المقاتلين الأكراد والأراضي الخاضعة لسيطرتهم تحت سلطة الدولة المركزية. 

وتُعد هذه التطورات أحدث انتكاسة للأكراد، الذين ظلّوا دون دولة منذ نحو قرن، بعد رسم حدود الشرق الأوسط الحديث عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية، بحسب ما ذكرت وكالة “رويترز”، اليوم الجمعة.

وأكدت مصادر متعددة، بينها تقارير صحفية دولية، أن خسارة قسد تتزامن مع تحوّل واشنطن إلى دعم النظام الجديد في دمشق، وتكرار دعواته للأكراد للاندماج تحت راية الدولة السورية. 

وأدى ذلك إلى تراجع قوات قسد إلى مناطق ذات أغلبية كردية، بعد أن سيطرت الدولة على مساحات واسعة كانت تحت إدارة الأكراد خلال العقد الماضي.

تاريخ كردي طويل 

بدأت النزعة القومية الكردية في الظهور خلال أواخر القرن التاسع عشر مع انهيار الإمبراطورية العثمانية، وظهرت آمال الاستقلال مع معاهدة "سيفر" عام 1920، التي وعدت الأكراد بدولة مستقلة ضمن التقسيم الذي فرضه الغرب على تركيا بعد الحرب العالمية الأولى. 

لكن الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك أبطل هذه المعاهدة عام 1923، لتُقسم الحقوق الكردية بين دول جديدة بموجب معاهدة لوزان عام 1924، التي تركت الأكراد موزعين بين تركيا والعراق وإيران وسوريا.

وشكل الأكراد نحو 10% من سكان سوريا، لكنهم تعرضوا لعقود من التمييز في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، الذي حرّم آلافهم من حقوق المواطنة، ومنع لغتهم، وقمع النشاط السياسي الكردي. 

ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، أسس الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي والفصيل المسلح "وحدات حماية الشعب" حكماً ذاتياً في الشمال، وتوسعت مناطق سيطرتهم مع دعم الولايات المتحدة خلال الحرب على "داعش"، قبل أن تتراجع بعد سقوط الأسد وتولي أحمد الشرع قيادة سوريا.

تحول دبلوماسي أمريكي

أضعفت العلاقات الأمريكية- السورية الجديدة من قدرة قسد على التمسك بإدارتها الذاتية، بعد أن أقامت واشنطن علاقات وثيقة مع الرئيس الشرع، الذي كرّر دعوته للأكراد للاندماج في الدولة. 

وأصدر الشرع في 16 يناير مرسوماً يعترف رسمياً بالكردية لغة وطنية إلى جانب العربية، ويسمح بتدريسها، ويعترف بعيد النوروز عطلة رسمية، في خطوة وصفت بأنها محاولة لاحتواء المطالب الكردية ضمن إطار الدولة.

يمثل الأكراد نحو 20% من سكان تركيا، ويعيش معظمهم في الجنوب الشرقي، وشن حزب العمال الكردستاني منذ 1984 حملة مسلحة ضد الدولة التركية، بدءاً بهدف دولة مستقلة ثم تحول إلى المطالبة بالحكم الذاتي، وسقط في هذا الصراع أكثر من 40 ألف شخص، بينما ما زال زعيم الحزب عبد الله أوجلان في السجن منذ 1999. 

وأطلقت تركيا عملية سلام في 2025، لكن التقدم توقف جزئياً، في وقت تواصل فيه أنقرة قصف مواقع كردية في العراق وشمال سوريا، وتعتبر وحدات حماية الشعب امتداداً لحزب العمال، ما يجعل أي تقدم كردي في سوريا مصدر قلق أمني تركي.

تجربة حكم ذاتي

يشكل الأكراد نحو 15% إلى 20% من سكان العراق، ويعيشون في إقليم كردستان الذي اكتسب حكمه الذاتي بعد 1991. ومع سقوط نظام صدام حسين، اعترفت بغداد بالحكم الذاتي، لكن التوتر ظل قائماً حول النفط والموارد. 

وتوسعت مناطق السيطرة الكردية خلال انهيار الدولة في 2014 أمام "داعش"، قبل أن تتراجع بعد استفتاء الاستقلال في 2017 الذي قوبل برفض بغداد وقوى إقليمية، ما أدى إلى رد عسكري واقتصادي استعاد كركوك وغيرها من المناطق.

ويمثل الأكراد نحو 10% من سكان إيران، وتتهم جماعات حقوقية السلطات بالتمييز ضدهم، بينما تنفي الحكومة ذلك. وتبرز الفصائل الانفصالية الكردية في إيران، خاصة في شمال العراق، كمصدر توتر دائم بين طهران وبغداد. 

شهدت المناطق الكردية موجة اضطرابات في أعقاب احتجاجات ديسمبر 2025 التي اندلعت بعد وفاة مهسا أميني، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى في يناير 2026، مع تقارير عن محاولات عبور مسلحين من العراق إلى إيران.

وتُظهر التطورات الأخيرة أن مستقبل الأكراد في سوريا والعراق وتركيا وإيران يظل مرتبطاً بواقع دولي وإقليمي معقد، وأن تجربة الحكم الذاتي في روج آفا تواجه اليوم اختباراً حقيقياً بين الاندماج في الدولة أو التعرض لمزيد من القمع. 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية