"تثير القلق".. أوضاع الحقوقيين والأقليات في البوسنة والهرسك تحت المجهر الأممي
"تثير القلق".. أوضاع الحقوقيين والأقليات في البوسنة والهرسك تحت المجهر الأممي
أثارت أوضاع الحقوقيين والأقليات في البوسنة والهرسك قلقا أمميا بالغا بعدما وصفت المقررة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، ماري لولر، البيئة التي يعمل فيها الحقوقيون في الدولة وكيانها، جمهورية صربسكا. بأنها مثيرة للقلق.
ويعرض على طاولة مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين، تقرير ماري لولر عقب زيارتها إلى البوسنة والهرسك في يونيو 2025، والذي يرسم صورة مزدوجة لمجتمع مدني نابض بالحياة ومرن، يقابله مناخ سياسي وقانوني شديد التعقيد، تتنازعه الاستقطابات والإرث الدستوري لاتفاق اتفاقية دايتون للسلام الذي أرسى نظاماً قائماً على تقاسم السلطة بين اتحاد البوسنة والهرسك (51%)، وجمهورية صربسكا (49%)، إلى جانب مقاطعة برتشكو ذات الوضع الخاص.
وتُعد البوسنة والهرسك طرفاً في الصكوك الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، كما أن دستورها يمنح الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أولوية التطبيق المباشر.
وتكفل المادة الثانية جملة من الحقوق الجوهرية لعمل المدافعين، منها حرية التعبير، وتكوين الجمعيات، والتجمع السلمي، والحق في المحاكمة العادلة، والحماية من التمييز.
غير أن الإطار القانوني، رغم تقدمه النظري، يصطدم بواقع تنفيذي هش، فقد أثار اعتماد ما عُرف بـ"قانون السجل الخاص وشفافية عمل المنظمات غير الربحية" في جمهورية صربسكا، في فبراير 2025، مخاوف جدية بشأن تضييق الحيز المدني وفرض قيود إضافية على المنظمات التي تتلقى تمويلاً أجنبياً.
ورغم أن المحكمة الدستورية ألغت القانون لاحقاً، اعتبرته المقررة مؤشراً على هشاشة الضمانات واستعداد السلطات لاستخدام التشريع لتقييد حرية تكوين الجمعيات.
قضاء تحت الضغط
ويربط التقرير المستند إلى لقاءات مع أكثر من 70 مدافعاً ومدافعة عن حقوق الإنسان بين تقلص الحيز المدني واستمرار الإفلات من العقاب في قضايا التهديد والاعتداء على المدافعين والصحفيين، في سياق يتسم بانتشار الفساد وشلل سياسي متكرر.
ويبرز إصلاح المجلس الأعلى للقضاء والنيابة العامة بوصفه أولوية، عبر تعزيز الشفافية في التعيينات، وإقرار آليات تأديبية واضحة، وتحصين القضاء من التأثير السياسي.
وأدى الجمود في المحكمة الدستورية، نتيجة عدم استكمال تعيين القضاة من جانب جمهورية صربسكا، إلى تراكم القضايا وتقويض الثقة العامة. ورغم أن قرارات المحكمة نهائية وملزمة، فإن الطعن في شرعيتها والخطاب السياسي المناوئ لها أضعفا مكانتها المؤسسية.
ويشير التقرير الأممي إلى أن كثيراً من المدافعين باتوا يترددون في الإبلاغ عن الانتهاكات بسبب ضعف الاستجابة أو انعدام الثقة في أجهزة إنفاذ القانون. وفي بعض المناطق، يُنظر إلى الشرطة باعتبارها غير محايدة، ما يفاقم الشعور بانعدام الأمان.
وتتعرض الصحفيات على وجه الخصوص لتهديدات وحملات تشهير عبر الإنترنت، في حين يواجه الصحفيون الذين يكشفون قضايا الفساد دعاوى استراتيجية ضد المشاركة العامة (SLAPPs)، ما يدفع إلى الرقابة الذاتية، كما أعيد تجريم التشهير في جمهورية صربسكا، في خطوة اعتُبرت تقويضاً إضافياً لحرية التعبير.
أما المدافعون عن حقوق مجتمع الميم فقد أبلغوا عن بيئة عدائية تفاقمت بفعل خطاب سياسي معارض لفعالياتهم، إلى جانب استمرار الإفلات من العقاب عن اعتداءات سابقة، بعضهم أوقف أنشطته أو غادر الكيان خشية التصعيد.
ورصدت المقررة تحديات جسيمة أمام الأشخاص ذوي الإعاقة، خاصة في المناطق الريفية حيث لا يزال النهج الطبي مهيمناً على حساب المقاربة القائمة على الحقوق.
وأبلغ مدافعون من ذوي الإعاقة عن معوقات في الوصول إلى المعلومات والمشاركة في المشاورات العامة، في حين تتعرض النساء ذوات الإعاقة لتمييز متقاطع، وغالباً ما يُستبعدن من حركتي حقوق المرأة والإعاقة معاً.
ويعمل المدافعون عن حقوق المهاجرين واللاجئين، خصوصاً في المناطق الحدودية، في ظروف صعبة تتخللها ضغوط اجتماعية وعقبات إدارية، ورغم انخفاض أعداد العابرين نحو الاتحاد الأوروبي، لا تزال منظمات إنسانية تواجه تدقيقاً مفرطاً وإجراءات بيروقراطية مرهقة تهدد استمرارية عملها.
وتواجه الأقليات، في ظل نظام تقاسم السلطة القائم على الانتماء الإثني، صعوبات مضاعفة في الانخراط في العمل العام والدفاع عن الحقوق، رغم وجود مبادرات دعم محلية محدودة.
توصيات لإعادة الثقة
وخلصت المقررة إلى أن البوسنة والهرسك تمتلك مجتمعاً مدنياً ديناميكياً وقادراً على الابتكار، لكنه يعمل في بيئة منقسمة ومؤسسات قابلة للتسييس.
ودعت إلى مواءمة التشريعات والممارسات مع الصكوك الدولية التي صادقت عليها الدولة، وترجمة مبادئ إعلان المدافعين عن حقوق الإنسان إلى سياسات ملموسة.
وأوصت بوقف الخطاب السياسي الذي "يشيطن" المدافعين أو يربط عملهم بالجريمة أو التهديدات الأمنية، فضلاً عن تعزيز حماية الصحفيين، وسن تشريعات لمواجهة الدعاوى الاستراتيجية التي تُستخدم لإسكاتهم، وإصلاح القضاء ومكافحة الفساد على جميع المستويات لضمان المساءلة الفعالة.










