اتهامات بتقنين العنف.. منظمات نسوية وحقوقية تحذر من تشريعات طالبان القمعية

اتهامات بتقنين العنف.. منظمات نسوية وحقوقية تحذر من تشريعات طالبان القمعية
عنصر أمني تابع لحركة طالبان ومجموعة من النساء

حذرت حركة النساء من أجل السلام والحرية من خطورة القوانين الجديدة الصادرة عن محاكم حركة طالبان، معتبرة أنها تمثل خطوة خطيرة نحو تقنين العنف وترسيخه بوصفه جزءاً من النظام القانوني في أفغانستان، وأكدت الحركة أن هذه التشريعات لا تهدف إلى تحقيق العدالة، بل تسعى إلى تطبيع الجرائم وتحويلها إلى قوانين ملزمة، ما يفتح الباب أمام انتهاكات واسعة ومنهجية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها حقوق النساء.

ونقلت شبكة أفغانستان إنترناشيونال السبت عن بيان للحركة النسوية أن طالبان صاغت هذه الأصول القانونية بهدف ترسيخ سلطتها وتشديد قبضتها الأمنية على المجتمع الأفغاني، في سياق يسوده القمع والإقصاء، وأوضح البيان أن النساء يشكلن الهدف الأبرز لهذه السياسات، في ظل مساعٍ متواصلة لانتزاع ما تبقى من حقوقهن وحرياتهن في الحياة العامة والخاصة.

تشريعات تكرس العنف والعبودية

بحسب ما ورد في بيان حركة النساء من أجل السلام والحرية، فإن لائحة العقوبات الجديدة في أفغانستان تروّج بشكل صريح لمفاهيم العبودية وتستند إلى أوامر وتفسيرات رجال الدين بوصفها أساساً للعقاب، بدلاً من مبادئ العدالة والقانون، وأشارت الحركة إلى أن هذه القوانين تنزع المزيد من الحريات من النساء، وتجرم المناسبات الثقافية والاجتماعية، وتمنح شرعية قانونية لممارسة العنف ضد المعارضين، وصولاً إلى إباحة القتل تحت غطاء قانوني.

وأضاف البيان أن هذه التشريعات تصعد من قمع الحريات الدينية، وتضفي طابعاً رسمياً على ممارسات العنف، ما يحول القضاء إلى أداة للقمع بدلاً من كونه وسيلة لحماية الحقوق وضمان العدالة. ودعت الحركة المواطنين إلى عدم السماح لطالبان بتطبيع جرائمها أو تمريرها تحت أي مسمى قانوني.

دعوات لمساءلة دولية وضغوط عاجلة

طالبت حركة النساء من أجل السلام والحرية المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم إزاء هذه التطورات، داعية إلى مساءلة حركة طالبان ومحاسبتها على الانتهاكات المنهجية والمتواصلة لحقوق الإنسان، ولا سيما الجرائم المرتكبة بحق النساء، كما شددت على ضرورة زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية الفاعلة والموجهة، مؤكدة أن الصمت الدولي يشجع على استمرار القمع ويمنح طالبان مساحة أوسع لتكريس سياساتها التمييزية.

وأكدت الحركة أن الوضع في أفغانستان يتطلب إجراءات جادة وفورية لوضع حد للتمييز والقمع المنهجي، محذرة من أن استمرار تجاهل هذه الانتهاكات سيؤدي إلى مزيد من التدهور في أوضاع حقوق الإنسان.

قوانين تشرعن قتل المعارضين

كانت محاكم حركة طالبان قد أصدرت قوانين جديدة تقر عقوبة القتل بحق من تصفهم بالبغاة والمعارضين، واعتبرت هذه المحاكم أن ضرر هؤلاء الأشخاص عام ولا يمكن إصلاحه إلا بالقتل، وهو ما يمنح الهيئات القضائية التابعة لطالبان صلاحيات واسعة لتنفيذ أحكام الإعدام بحق المعارضين والمنتقدين.

ونص البند السادس من المادة الرابعة من هذه القوانين على منح المواطنين أيضاً حق تنفيذ العقوبة بأنفسهم في حال مشاهدة ما تصفه الحركة بالذنب أثناء ارتكابه. وجاء في نص القانون أن كل مسلم إذا رأى أشخاصاً مذنبين أثناء ارتكاب الذنب يسمح له أن يبادر إلى معاقبتهم، وهو ما يفتح الباب أمام الفوضى والعنف المجتمعي خارج أي إطار قانوني واضح.

لم تقتصر القوانين الجديدة على إباحة القتل، بل نصت أيضاً على معاقبة كل من يشاهد ما تصفه حركة طالبان بجلسات تخريبية للمعارضين أو يطلع عليها ولا يبلغ الجهات المختصة، وبموجب هذه المادة، يعد الشخص مجرماً ويُحكم عليه بالسجن لمدة عامين، ما يحول المواطنين إلى أدوات رقابة قسرية ويكرس مناخ الخوف والشك داخل المجتمع.

انتقادات حقوقية واسعة

من جانبها اعتبرت منظمة رواداري الحقوقية أن هذه الإجراءات تتعارض بشكل صارخ مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية وضمانات المحاكمة العادلة، وأشارت المنظمة إلى أن قوانين طالبان صنفت المجتمع الأفغاني إلى أربع فئات هي العلماء والأشراف والطبقة المتوسطة والطبقة الدنيا، وحددت نوع الجريمة وشدة العقوبة بناءً على المكانة الاجتماعية، في انتهاك واضح لمبدأ المساواة أمام القانون.

وبحسب ما نقلته رواداري عن نص القوانين، إذا ارتكب عالم ديني جريمة يكتفى بتوجيه النصح له، في حين يُستدعى الأشراف ويُنصحون، وتعاقب الطبقة المتوسطة بالسجن، في حين تفرض على الطبقة الدنيا، إضافة إلى السجن، عقوبات جسدية، وهو ما يعكس تمييزاً طبقياً ممنهجاً في تطبيق العدالة.

أوضحت المنظمة أن أصول محاكم طالبان اعتبرت الرقص ومشاهدته جريمة، من دون تقديم تعريف واضح لهذا الفعل، وفقاً للمادة 59 من هذه الأصول، واعتبرت رواداري أن هذا الغموض يفتح الباب أمام الاعتقال والعقوبات التعسفية، ومنها معاقبة الأشخاص بسبب الرقصات المحلية والتقليدية التي تعد جزءاً من التراث الثقافي الأفغاني.

صلاحيات واسعة دون ضوابط

وأكدت رواداري أن تعريف طالبان للباغي على أنه ساعٍ في الفساد منح هيئاتها صلاحيات واسعة لمعاقبة المعارضين والمنتقدين تعسفياً، أو حتى قتلهم من دون محاكمة عادلة. وبموجب المادة 13 من القانون يُسمح بتخريب أماكن الفساد من دون تعريف واضح لمفهوم الفساد، ما قد يؤدي إلى تدمير أماكن مثل صالونات الحلاقة والتجميل ومعاقبة مالكيها بشكل تعسفي.

وأضافت المنظمة أن الأصول الجزائية تَعد المشاركة في مجالس الفساد سبباً للعقوبة، من دون أي تعريف قانوني محدد لهذا المصطلح، ما يوسع دائرة التجريم ويجعلها خاضعة للتفسير المزاجي للسلطات.

تمييز ديني ممنهج

وفيما يتعلق بالحريات الدينية، قالت رواداري إن الوثيقة تنتهك مبدأ عدم التمييز على أساس الدين والمذهب، إذ اعتبرت طالبان أتباع المذهب الحنفي مسلمين، ووصفت أتباع المذاهب الأخرى بأنهم مبتدعون، وذكرت المنظمة أن هذا الوصف ورد صراحة في المادة 8 من الأصول، ويشكل انتهاكاً واضحاً للحقوق الدينية.

كما نصت إحدى مواد القانون على عقوبة السجن لمدة عامين بحق من يدان بالاستهزاء أو السخرية من الأحكام الإسلامية، في حين تنص المادة 26 على عدم السماح لأتباع المذهب الحنفي بترك مذهبهم، وفي حال ثبوت ذلك يحكم عليهم بالسجن لمدة عامين.

منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، تشهد أفغانستان تراجعاً حاداً في أوضاع حقوق الإنسان، ولا سيما حقوق النساء والفتيات، فقد فرضت الحركة قيوداً واسعة على التعليم والعمل والتنقل، وأغلقت المجال العام أمام النساء بشكل شبه كامل، وفي الوقت نفسه، أعادت طالبان تشكيل المنظومة القضائية بما يتماشى مع تفسيراتها المتشددة، مستبعدة المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وتأتي القوانين الجديدة الصادرة عن محاكم طالبان في سياق هذا النهج، ما يثير مخاوف متزايدة لدى المنظمات الحقوقية من ترسيخ نظام قانوني قائم على القمع والتمييز والعنف، في ظل غياب أي آليات مستقلة للمساءلة أو الرقابة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية