التعليم تحت الوصاية.. معلمو أفغانستان بين فقدان العمل والالتزام القسري باللحية

التعليم تحت الوصاية.. معلمو أفغانستان بين فقدان العمل والالتزام القسري باللحية
معلمون في أفغانستان والالتزام باللحية

كشفت تعميمات رسمية حديثة عن تصعيد جديد في القيود التي تفرضها حركة طالبان على قطاع التعليم في أفغانستان، بعد إجبار معلمي المدارس في ولاية ننغرهار على توقيع تعهدات رسمية بعدم حلق اللحى، مع التهديد بالفصل من العمل في حال مخالفة الأوامر الصادرة عن زعيم الحركة ملا هبة الله.

وبحسب ما نشرته شبكة "أفغانستان إنترناشیونال"، الأحد، فقد عممت مديرية المعارف في ولاية ننغرهار تعليمات تلزم الموظفين والمعلمين والطلاب بالالتزام بما وصفته الحركة بالأمور الإسلامية وسيرة النبي، في خطوة أثارت مخاوف واسعة داخل الأوساط التعليمية.

تعهدات إجبارية داخل المدارس

يشير التعميم إلى أن جميع المعلمين مطالبون بتوقيع تعهد خطي يقرون فيه بعدم حلق اللحى والالتزام بالتعليمات الدينية الجديدة، وتنص التعليمات على أن أي معلم أو طالب يخالف هذا القرار سيجري تسجيله في سجلات الحضور على أنه غائب إلى أن يلتزم بتنفيذ التعهد المطلوب، ما يعني عمليا حرمانه من العمل أو الدراسة.

ويؤكد معلمون في ولاية ننغرهار أن هذه الإجراءات لم تعد مجرد توجيهات شفهية، بل تحولت إلى سياسة رسمية تنفذ داخل المدارس، وسط أجواء من الخوف والقلق على مصادر رزقهم.

بداية التطبيق في جلال آباد

أفاد عدد من المعلمين بحسب شبكة أفغانستان إنترناشیونال أن عملية توقيع التعهدات بدأت بالفعل في ثانوية عبدالوکیل علي بمدينة جلال آباد مركز ولاية ننغرهار، وقالوا إن إدارات المدارس أبلغتهم بشكل مباشر بضرورة الامتثال للتعليمات الجديدة دون نقاش.

وأوضح المعلمون أن وزارة معارف حركة طالبان شكلت لجنة خاصة لمتابعة تنفيذ القرار داخل المدارس، وتولت هذه اللجنة تحذير المعلمين من أن عدم الالتزام بترك اللحية سيؤدي إلى فصل فوري من العمل دون إتاحة أي فرصة لتقديم شكوى أو اعتراض.

الخوف من فقدان مصدر الرزق

يعبر العديد من المعلمين عن مخاوفهم من أن تتحول هذه الإجراءات إلى أداة لإقصاء الكفاءات التعليمية، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد،  في ظل حكم حركة طالبان، ويؤكد بعضهم أن فقدان الوظيفة يعني فقدان القدرة على إعالة أسر كاملة تعتمد بشكل أساسي على راتب المعلم.

ويشير معلمون إلى أن القرار لا يراعي الفروق الشخصية أو الظروف الصحية، بل يفرض نمطا واحدا من المظهر باعتباره شرطا للاستمرار في العمل، ما يضعهم أمام خيارين أحلاهما مر إما الامتثال القسري أو البطالة.

خلفية القرار الديني

يأتي هذا الإجراء في سياق سلسلة قرارات أصدرتها وزارة الأمر بالمعروف التابعة لطالبان، التي أعلنت في شهر مايو 2025 أن حلق اللحية يعد معصية، ودعت المواطنين إلى الامتناع عن ذلك، وأكد المتحدث باسم الوزارة سيف الإسلام خيبر في تصريحات سابقة أن ترك اللحية يمثل أحد الفروق الأساسية بين الرجال والنساء.

ومنذ ذلك الحين، كثفت فرق الاحتساب التابعة للوزارة من نشاطها في عدد من الولايات، ومنها كابل وننغرهار وخوست، حيث وجهت تحذيرات متكررة إلى صالونات الحلاقة بعدم قص أو ترتيب اللحى بأساليب حديثة، وجرى احتجاز عدد من الحلاقين بتهم مخالفة التقاليد الدينية.

احتجاز وفصل موظفين

لم تقتصر الإجراءات على المعلمين فقط، إذ أفاد موظفون سابقون في ولاية خوست بأنهم تعرضوا للاحتجاز لمدة 24 ساعة بسبب شكل لحاهم، قبل أن يتم فصلهم من وظائفهم بحجة أن لحاهم غير ملتزمة بالتعليمات الدينية المعتمدة.

وتعكس هذه الحالات نمطا متصاعدا من الرقابة على المظهر الشخصي في أفغانستان، حيث باتت اللحية معيارا لتقييم الالتزام الديني، وشرطا غير معلن للاستمرار في الوظيفة أو تجنب العقوبات.

تأثير مباشر في العملية التعليمية

يرى مراقبون أن فرض هذه القيود على المعلمين ينعكس سلبا على العملية التعليمية برمتها، في وقت تعاني فيه المدارس الأفغانية من نقص حاد في الكوادر المؤهلة، ويؤكد مختصون في الشأن التعليمي أن تحويل المدرسة إلى مساحة للرقابة الأيديولوجية يضعف دورها التربوي ويقوض ثقة المعلمين ببيئة العمل.

ويحذر معلمون من أن استمرار هذه السياسات سيدفع المزيد من الكفاءات إلى ترك التعليم أو الهجرة الداخلية بحثا عن أعمال أقل عرضة للتدخلات، ما يهدد مستقبل جيل كامل من الطلاب.

طلاب تحت الضغط

ولا يقتصر أثر القرار على المعلمين فقط، بل يشمل الطلاب أيضا، حيث تنص الوثيقة على تسجيل أي طالب مخالف للتعليمات كغائب حتى يلتزم بها، ويخشى أولياء الأمور من أن تؤدي هذه السياسة إلى حرمان أبنائهم من التعليم بسبب قضايا تتعلق بالمظهر وليس بالتحصيل العلمي.

ويشير بعض الأهالي إلى أن أبناءهم يعيشون حالة من القلق داخل المدارس، خشية التعرض للعقوبات أو الإقصاء، في ظل غياب أي آليات واضحة لحماية حقوقهم التعليمية.

منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في أغسطس 2021، شهد قطاع التعليم في أفغانستان تغييرات جذرية شملت المناهج والكوادر والأنظمة الإدارية، وفرضت الحركة قيودا واسعة على تعليم الفتيات، وأعادت صياغة دور المدارس بما يتماشى مع رؤيتها الدينية، وفي هذا السياق، تصاعدت تدخلات وزارة الأمر بالمعروف في الحياة اليومية للمواطنين، من الملبس والمظهر إلى السلوك العام، وتعتبر منظمات حقوقية أن هذه السياسات تمثل انتهاكا لحقوق العمل والتعليم، وتؤدي إلى تآكل الحريات الفردية، ومع استمرار الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية، يخشى كثيرون أن يتحول التعليم في أفغانستان إلى ساحة إضافية للصراع بين الحاجة إلى المعرفة ومتطلبات الالتزام القسري، في بلد يعاني -أصلا- أزمات إنسانية عميقة طالت كل فئات المجتمع الأفغاني.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية