بتهمة الإعلان عن سياحة استيطانية.. وزارة الحقوق الإسبانية تلاحق شركات إسرائيلية

بتهمة الإعلان عن سياحة استيطانية.. وزارة الحقوق الإسبانية تلاحق شركات إسرائيلية
إسبانيا

في خطوة تحمل أبعادا قانونية وسياسية وإنسانية لافتة، أعلنت وزارة الحقوق الاجتماعية وشؤون المستهلكين في إسبانيا عن فتح تحقيق رسمي للاشتباه في قيام شركات مشاركة ضمن الجناح الإسرائيلي ببيع أو الترويج لعروض سفر محتملة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وجاء القرار على خلفية مشاركة إسرائيل في معرض السياحة الدولي “فيتور” الذي استضافته العاصمة مدريد خلال الفترة الممتدة من 21 إلى 25 يناير الجاري، أحد أكبر الفعاليات السياحية العالمية وأكثرها تأثيرا في صناعة السفر.

وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي صدر الأحد ونقلته وسائل إعلام إسبانية، أنها باشرت إجراءات التحقيق للتحقق مما إذا كانت شركات سياحية مشاركة في الجناح الإسرائيلي قد نظمت أو روّجت لرحلات سياحية إلى أراضٍ فلسطينية محتلة بشكل غير قانوني، وأكد البيان أن التحقيق يأتي التزاما بالقوانين الإسبانية النافذة، وحرصا على حماية حقوق المستهلكين، ومنعا لأي ممارسات قد تندرج ضمن الترويج لأنشطة مخالفة للقانون الدولي، وفق وكالة أنباء الأناضول.

الإطار القانوني الذي يحكم التحقيق

استندت الوزارة في قرارها إلى المادة الرابعة من المرسوم الملكي الذي أقرته الحكومة الإسبانية في سبتمبر 2025، والذي يتضمن تدابير عاجلة لمواجهة الإبادة في قطاع غزة ودعم الشعب الفلسطيني، وتنص هذه المادة بشكل واضح على حظر الإعلان عن السلع والخدمات القادمة من الأراضي المحتلة، بما في ذلك أي نشاط تجاري أو سياحي يضفي شرعية اقتصادية أو دعائية على واقع الاحتلال، وأكدت الوزارة أن هناك شبهات جدية بانتهاك هذا النص القانوني خلال فعاليات معرض فيتور.

ووفق البيان، يشمل التحقيق ادعاءات تفيد بأن بعض شركات السياحة المشاركة في الجناح الإسرائيلي قدّمت عروض سفر إلى مستوطنات إسرائيلية مقامة في الضفة الغربية المحتلة، ويعد هذا الأمر، في حال ثبوته، انتهاكا مباشرا للقوانين الإسبانية التي تجرم الإعلان عن أنشطة اقتصادية في أراض محتلة، فضلا عن كونه متعارضا مع الموقف الرسمي الإسباني الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني ورافض لسياسة الاستيطان.

جولات سياحية داخل الضفة الغربية

لم تقتصر الشبهات على عروض السفر إلى المستوطنات فحسب، بل تحدثت الوزارة أيضا عن مزاعم تشير إلى قيام بعض شركات السياحة الإسرائيلية بعرض إعلانات تنظم جولات سياحية إلى مواقع مختلفة داخل الضفة الغربية الخاضعة للاحتلال، مثل هذه العروض، بحسب خبراء قانونيين، لا تمثل نشاطا سياحيا بريئا، بل تسهم في تطبيع واقع الاحتلال وتحويله إلى منتج سياحي، متجاهلة الحقوق السياسية والإنسانية للشعب الفلسطيني.

أكدت وزارة الحقوق الاجتماعية وشؤون المستهلكين وأجندة 2030 أن فتح التحقيق يهدف بالأساس إلى تحديد الشركات التي تعرض أو تروّج لبيع سلع وخدمات سياحية في المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما شددت على أن الجهات المختصة ستتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق أي شركة يثبت تورطها في هذه المخالفات، بما في ذلك فرض غرامات أو حظر الأنشطة التجارية داخل إسبانيا، وفقا لما يتيحه القانون.

يعد معرض فيتور منصة عالمية كبرى لترويج الوجهات السياحية وعقد الصفقات بين الشركات والحكومات، غير أن مشاركة إسرائيل في المعرض هذا العام أثارت جدلا واسعا، ليس فقط بسبب الحرب المستمرة على قطاع غزة، بل أيضا بسبب المخاوف من استغلال الفعاليات السياحية للترويج للاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 ويرى مراقبون أن السياحة، في مثل هذه الحالات، تتحول من نشاط اقتصادي وثقافي إلى أداة سياسية تكرس واقعا غير قانوني.

تأتي هذه الخطوة في سياق موقف إسباني بات أكثر وضوحا في انتقاد السياسات الإسرائيلية فإسبانيا كانت من الدول الأوروبية التي عبرت بشكل صريح عن رفضها للحرب على غزة، ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، كما اتخذت إجراءات تشريعية تهدف إلى عدم التواطؤ الاقتصادي أو التجاري مع الاحتلال، ويرى محللون أن التحقيق الحالي يعكس محاولة لترجمة هذا الموقف السياسي إلى سياسات عملية على أرض الواقع.

أبعاد إنسانية تتجاوز القانون

بعيدا عن الجوانب القانونية، يحمل التحقيق بُعدا إنسانيا واضحا، فالترويج للسياحة في المستوطنات، بالنسبة للفلسطينيين، يعني تجاهل معاناتهم اليومية تحت الاحتلال، ومصادرة أراضيهم، وتقييد حركتهم، وتحويل أماكن النزاع والألم إلى وجهات ترفيهية، من هذا المنطلق، اعتبرت منظمات حقوقية أن أي خطوة تحد من هذا النوع من الترويج تشكل انتصارا معنويا لحقوق الإنسان والعدالة الدولية.

ورغم عدم صدور رد رسمي فوري من الجانب الإسرائيلي، يتوقع مراقبون أن يثير التحقيق توترا دبلوماسيا محدودا بين مدريد وتل أبيب، خاصة في ظل حساسية ملف الاستيطان، وفي المقابل، رحبت أوساط حقوقية ونشطاء داعمون للقضية الفلسطينية بالتحقيق، معتبرين أنه يشكل سابقة يمكن أن تشجع دولا أوروبية أخرى على اتخاذ إجراءات مماثلة.

تعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وفق قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، ورغم ذلك، تستمر إسرائيل في توسيعها ودعمها اقتصاديا وسكانيا، في السنوات الأخيرة، برزت السياحة كأحد الأدوات التي تُستخدم لتطبيع وجود هذه المستوطنات، عبر تنظيم جولات وزيارات تروج لها كوجهات تاريخية أو دينية.

 في المقابل، بدأت بعض الدول الأوروبية، ومن بينها إسبانيا، باتخاذ إجراءات قانونية لمنع استيراد أو الإعلان عن منتجات وخدمات قادمة من الأراضي المحتلة، ويأتي التحقيق الإسباني في معرض فيتور كحلقة جديدة في هذا المسار، يعكس تصاعد الوعي الرسمي بخطورة التواطؤ الاقتصادي مع واقع الاحتلال، ويطرح تساؤلات أوسع حول دور المعارض الدولية في احترام القانون الدولي وحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية