بين الدمار والركام.. إذاعات غزة تعود بصوت الحياة بعد عامين من الصمت
بين الدمار والركام.. إذاعات غزة تعود بصوت الحياة بعد عامين من الصمت
استعادت إذاعات محلية في قطاع غزة بثها جزئيًا خلال الأيام الأخيرة، بإمكانات شديدة التواضع، بعد انقطاع قسري استمر عامين نتيجة تدمير الجيش الإسرائيلي مقارها ومعداتها خلال حرب الإبادة التي طالت البشر والحجر على حد سواء.
عودة خجولة تقنيًا، لكنها بالغة الدلالة إنسانيًا، أعادت إلى سكان القطاع أصواتًا ألفوها وافتقدوها طويلًا وسط الحرب والنزوح والخسارة، بحسب ما ذكرت وكالة "الأناضول"، التركية.
وبات سكان غزة يستأنسون مجددًا بمتابعة البرامج الصباحية عبر محطات محلية مثل “صوت القدس” و“إذاعة زمن”، التي عادت لتناقش همومهم اليومية وقضاياهم المعيشية، في وقت يعيش فيه عشرات آلاف النازحين داخل خيام أو مبانٍ مدمّرة، ويفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة.
عودة من بين الأنقاض
أطلقت إذاعة “صوت القدس” بثها من جديد عبر الإنترنت، انطلاقًا من إحدى البنايات المتضررة وسط مدينة غزة، والتي تحولت إلى مأوى للنازحين، في مشهد يعكس حجم التحدي الذي يواجه الإعلام المحلي في القطاع.
ومن هذا المكان، يطل المذيع عماد نور بصوته المألوف للجمهور، متناولًا تداعيات الحرب وقضايا الناس المعيشية.
ويؤكد نور أن العودة للبث تمثل “رسالة تحدٍّ وأمل من قلب الألم والركام”، مضيفًا أن الإذاعة تحاول استعادة دورها الطبيعي في ملامسة هموم الناس بعد عامين من الإبادة والتشريد.
ويقول: "نعود لأن المواطن بحاجة اليوم لمن يتحدث باسمه، وينقل صوته، أكثر من أي وقت مضى".
ويشير إلى أن الجمهور في غزة اعتاد متابعة الإذاعات المحلية، خاصة خلال فترات التصعيد السابقة، إلا أن شراسة الحرب الأخيرة حرمتهم من هذا الصوت، ما يضع اليوم مسؤولية مضاعفة على الإعلاميين للوقوف إلى جانب المجتمع.
إعلام يبدأ من الصفر
تصطدم هذه المحاولات بواقع كارثي، يتمثل في تدمير شبه كامل للبنية التحتية الإعلامية، وشح الموارد، وانعدام مصادر الطاقة، ما دفع الإذاعات للانطلاق “من الصفر”، وفق تعبير نور، وبإمكانات محدودة للغاية.
ويكشف أن البث الحالي يقتصر على ساعات النهار عبر الإنترنت، مع طموح مستقبلي للعودة إلى البث الإذاعي عبر موجات FM، حال توفرت الإمكانات والدعم اللازم. ويشدد على أن “الكلمة الحرة أقوى من الدمار، ولا بد من دعم الإعلام المسموع كي يستمر”.
ويوضح عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين رامي الشرافي أن إسرائيل استهدفت بشكل ممنهج الإعلام الفلسطيني خلال الحرب، في محاولة لإسكات صوت الحقيقة، مؤكدا أن أكثر من 250 صحفيًا قُتلوا، كما دُمّرت مقار 23 إذاعة محلية كانت تعمل في قطاع غزة، ما أدى إلى توقفها بالكامل.
ضرورة مهنية ومجتمعية
يعتبر الشرافي أن إعادة إحياء الإعلام المحلي ضرورة مهنية ومجتمعية، ترتبط بحق الناس في الوصول إلى المعلومة، داعيًا الجهات المعنية إلى إدراج ملف الإعلام ضمن أولويات المرحلة المقبلة، عبر دعم إعادة تأهيل المقار، وتوفير معدات البث والطاقة، وتمكين الكوادر من العمل في ظروف أكثر أمانًا.
وبين الركام والصمت الذي فرضته الحرب، تحاول إذاعات غزة أن تعود بصوت خافت لكنه صامد، لتقول إن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت ممكنة.










