مع تراكم الضغوط النفسية.. تحذير من امتداد آثار الحرب لأجيال في غزة
مع تراكم الضغوط النفسية.. تحذير من امتداد آثار الحرب لأجيال في غزة
تفتح معاناة قطاع غزة صفحة موجعة في سجل الأزمات الإنسانية المعاصرة، حيث لا تتوقف آثار الحرب عند حدود الدمار المادي أو الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد لتصيب أعماق النفس الإنسانية، وتترك ندوباً صامتة قد ترافق أصحابها لسنوات، ففي بيئة يهيمن عليها الخوف والجوع والنزوح، تتحول الحياة اليومية إلى معركة بقاء، لا يواجهها الأفراد بأجسادهم فقط، بل بعقولهم وأرواحهم أيضاً.
تتجسد هذه المأساة بشكل خاص في حياة الأطفال والنساء والعائلات التي تعيش تحت وطأة الحرمان المتواصل، حيث يصبح فقدان الأمن الغذائي والرعاية الصحية والمأوى عنصراً ثابتاً في تفاصيل اليوم، ومع استمرار القصف والعزلة وانعدام الأفق، تتراكم الضغوط النفسية لتُنتج صدمات عميقة لا تظهر آثارها فوراً، لكنها تتسلل ببطء إلى الذاكرة الفردية والجمعية، مهددة بتوارث الألم عبر الأجيال، بحسب ما ذكرت وكالة “الأناضول”، اليوم الخميس.
وتسلط شهادات المختصين في الصحة النفسية الضوء على جانب غالباً ما يُهمَل في تغطية النزاعات، وهو الأثر النفسي طويل الأمد للحرب والتجويع، بوصفه أحد أخطر تداعيات الصراع.
وفي حالة غزة لا يمكن فصل الجوع عن القصف، ولا الصدمة عن الواقع السياسي، ما يجعل المعاناة الإنسانية أكثر تعقيداً، ويطرح أسئلة عميقة حول مستقبل مجتمع يعيش منذ سنوات تحت ضغط استثنائي ومتواصل.
تجويع ممنهج
حذّرت الطبيبة الفلسطينية المختصة بالصحة النفسية سماح جبر من أن ما تصفه بـ“التجويع الممنهج” وما تعده “إبادة جماعية” في قطاع غزة لا يخلّفان دماراً فورياً فقط، بل يزرعان صدمة نفسية عميقة قد تتجاوز حدود اللحظة الراهنة لتطول أجيالاً متعاقبة.
وأوضحت جبر في مقابلة صحفية أن الأذى النفسي الناتج عن الجوع القسري والقصف والنزوح وفقدان الأحبة قد لا يتوقف بانتهاء العمليات العسكرية، بل يمكن أن يمتد -وفق تقديرها- لثلاثة أو أربعة أجيال، ليصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية للفلسطينيين في القطاع.
وأشارت الطبيبة إلى أن سكان غزة يعانون منذ سنوات سوء تغذية مزمناً، معتبرة أن الحرمان الغذائي ليس “نتيجة عرضية” للحرب بقدر ما هو -بحسب وصفها- سياسة تستهدف كسر الإرادة الجماعية.
ولفتت إلى مشاهد وصفتها بالصادمة في القرن الحادي والعشرين، تتعلق بوفاة مدنيين بسبب انخفاض حرارة أجسادهم في ظل نقص الغذاء والمأوى، مؤكدة أن مأساة غزة تتشكل من تراكم طويل الأمد لعوامل ضاغطة، من العزلة وانعدام حرية الحركة إلى القصف المتكرر خلال أكثر من عامين، وما يتبعه من شعور متنامٍ لدى كثيرين بأنهم خارج دائرة الاهتمام العالمي.
صدمة مركّبة
أكدت جبر أن محاولة الفصل بين أسباب الصدمة النفسية في غزة شديدة الصعوبة؛ لأن الجوع والدمار والنزوح والقصف وفقدان الأقارب تتداخل لتنتج ما تسميه “صدمة استعمارية” تمس تفاصيل الحياة اليومية.
واستندت في تفسيرها إلى دراسات تناولت المجاعات الكبرى في العالم، قائلة إن أثر الجوع لا يقتصر على الجيل الذي عايشه، بل قد ينتقل إلى الأجيال اللاحقة في صورة اضطرابات نفسية وصعوبات في التكيّف الاجتماعي والوظيفي، مستشهدة بأبحاث تناولت مجاعات مثل الصين وأيرلندا بوصفها أمثلة على انتقال الندوب النفسية عبر الزمن.
وأوضحت جبر أن غزة كانت تضم، رغم الحصار، مبادرات ومؤسسات محدودة لدعم الصحة النفسية، لكنها -وفق روايتها- انهارت سريعاً مع بدء الهجوم الإسرائيلي في 8 أكتوبر 2023.
وأضافت أن عدداً من العاملين في هذا المجال قُتلوا أو أُصيبوا أو نزحوا، في حين اضطر آخرون، تحت ضغط الحاجة، إلى الانشغال بتأمين الطعام لأطفالهم بدل تقديم الرعاية، ناقلة رسالة من الطبيب النفسي محمد سعيد كحلوت قال فيها إنه يقلل طعامه إلى الحد الأدنى لإطعام أطفاله، ما أثّر في قدرته على العمل والإنصات للمرضى.
انهيار خدمات الصحة النفسية
بينت الطبيبة أن تداعيات ما يجري -من منظورها- لا تتوقف عند غزة، بل تمتد إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، حيث تلمس خلال الجلسات العلاجية شعوراً عاماً بتهديد وجودي، يتعمق مع استمرار الإحساس بالإفلات من العقاب.
وشددت على أن فهم معاناة المرضى يتطلب قراءة السياق السياسي المحيط بحياتهم؛ لأن الألم النفسي لديهم مرتبط -بحسب قولها- بتجربة قهر بنيوي طويلة.
وأوضحت جبر أن إعلان الهدنة أو وقف إطلاق النار لا يعني نهاية الأزمة الإنسانية، إذ يستمر نقص الغذاء والرعاية الصحية في حصد الأرواح، سواء بسبب أمراض لم تُعالج أو مضاعفات التهابات أو أمراض مزمنة، مع تفاقم المخاطر في الشتاء في ظل غياب المأوى والتدفئة.
واستشهدت كذلك بتجربة “مينيسوتا للجوع” (1944–1945) بوصفها مثالاً علمياً يوضح كيف يؤدي تقليل السعرات لفترة طويلة إلى تدهور نفسي وسلوكي، من فقدان الدافعية والاكتئاب إلى العدوانية واضطرابات أخرى.
وختمت الطبيبة حديثها بتأكيد أن الجوع لا يستهدف الجسد وحده، بل يترك أثراً في الذاكرة التاريخية والعلاقة بالأمان والغذاء والمستقبل، معتبرة أن “عدم اليقين” الذي يعيشه الأطفال اليوم قد يظهر لاحقاً في أنماط التربية ونظرة الأجيال القادمة للحياة والاستقرار.










