مع تصعيد الإجراءات الأمنية والقضائية.. 139 أجنبياً بين معتقلي الاحتجاجات الإيرانية

مع تصعيد الإجراءات الأمنية والقضائية.. 139 أجنبياً بين معتقلي الاحتجاجات الإيرانية
احتجاجات إيران- أرشيف

تعيش إيران منذ أواخر شهر ديسمبر الماضي مرحلة توتر داخلي متصاعدة، مع استمرار تداعيات الاحتجاجات التي اندلعت في عدد من المدن اعتراضاً على تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، ومع اتساع رقعة التظاهرات وتحولها إلى حركة احتجاجية ذات طابع سياسي، تصاعدت الإجراءات الأمنية والقضائية، وسط روايات رسمية تربط ما يجري بتدخلات خارجية، وتحذيرات من أن مرحلة الملاحقات لم تصل بعد إلى نهايتها.

وذكرت وكالة تسنيم الإيرانية أن قائد شرطة محافظة يزد في وسط البلاد أحمد نغهبان أعلن اليوم الثلاثاء اعتقال 139 أجنبياً خلال الاحتجاجات الأخيرة في إيران، موضحاً أن ذلك جاء بعد مراجعة ملفات المتظاهرين الذين جرى توقيفهم في المنطقة، دون الكشف عن جنسيات المعتقلين أو أماكن احتجازهم.

اتهامات بتنظيم الشغب

بحسب ما أعلنه قائد الشرطة، فإن المعتقلين الأجانب متورطون في تنظيم أعمال الشغب والتحريض عليها وقيادتها، إضافة إلى الاشتباه بوجود تواصل لبعضهم مع شبكات خارج إيران، وتأتي هذه التصريحات في سياق خطاب رسمي يربط الاحتجاجات بعوامل خارجية، ويضعها في إطار ما تصفه السلطات بمحاولات زعزعة الاستقرار الداخلي.

اعتقال هذا العدد من الأجانب يحمل أبعاداً سياسية وأمنية، ويهدف إلى تعزيز الرواية الرسمية التي تعد الاحتجاجات لم تكن نتاجاً لأسباب اقتصادية واجتماعية فحسب، بل نتيجة تدخلات منظمة من الخارج.

القضاء يلوح بالملاحقة المستمرة

في موازاة التصريحات الأمنية، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية أنها ستواصل ملاحقة جميع المشاركين في الاحتجاجات الأخيرة، سواء من خلال المشاركة المباشرة أو المساعدة أو الدعم، في حال ثبوت ارتكاب ما تصفه بأفعال إجرامية، وأكدت أن هذه الملاحقات لن تتوقف، في رسالة واضحة بأن ملف الاحتجاجات لا يزال مفتوحاً على مصراعيه.

وقال المتحدث باسم السلطة القضائية أصغر جهانغير إن المشاركين في الاحتجاجات لن يفلتوا من المساءلة القضائية، مشيراً إلى أن النظر في القضايا قد بدأ بالفعل وأن الإجراءات القانونية مستمرة، وأضاف أن القضاء يتعامل مع هذه الملفات باعتبارها أولوية، في ظل ما تعده الدولة تهديداً للأمن العام.

خطاب سياسي يتهم الخارج

تأتي هذه المواقف في وقت صعّد فيه مسؤولون إيرانيون خلال الأسابيع الماضية من لهجتهم تجاه أطراف خارجية، متهمين دولاً وجهات أجنبية بالوقوف وراء تأجيج الاحتجاجات الشعبية، وجرى الحديث بشكل متكرر عن محاولات لاستغلال الأوضاع الاقتصادية لإشعال الفوضى وزرع الانقسام داخل المجتمع الإيراني.

وفي هذا السياق، تحدث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قبل أيام عن تورط إسرائيلي في السعي لإشعال حرب أهلية داخل البلاد وتعميق الانقسامات، في تصريحات تعكس حجم القلق الرسمي من مسار الأحداث وتداعياتها السياسية والأمنية.

من مطالب معيشية إلى شعارات سياسية

اندلعت الاحتجاجات في إيران في 28 ديسمبر الماضي على خلفية الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية التي تواجهها شرائح واسعة من السكان، ومع مرور الأيام اتسعت رقعة التظاهرات وتحولت من مطالب اقتصادية إلى شعارات سياسية تنتقد أداء السلطات وتطالب بتغييرات أعمق.

وشهدت الاحتجاجات مشاركة فئات اجتماعية مختلفة، في وقت واجهتها قوات الأمن فيه بإجراءات مشددة شملت الاعتقالات الواسعة ونشر قوات إضافية في المدن التي شهدت تجمعات كبيرة.

أرقام القتلى وروايات متضاربة

أقرت السلطات الإيرانية بمقتل أكثر من 3000 شخص خلال الاحتجاجات، لكنها أوضحت أن معظم القتلى كانوا من عناصر قوات الأمن أو من المارة الذين سقطوا فيما وصفته بأعمال إرهابية، واتهمت جهات قالت إنها مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف تلك الأعمال، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس.

في المقابل تشكك منظمات حقوقية دولية في الرواية الرسمية، وتطالب بتحقيقات مستقلة وشفافة حول أعداد الضحايا وظروف مقتلهم، إضافة إلى أوضاع المعتقلين وحقهم في محاكمات عادلة.

مخاوف حقوقية وتصعيد مستمر

يثير إعلان اعتقال أجانب واستمرار الملاحقات القضائية مخاوف متزايدة لدى منظمات حقوق الإنسان التي تحذر من اتساع دائرة القمع وتقييد الحريات العامة، وتشير هذه المنظمات إلى أن غياب المعلومات حول جنسيات المعتقلين وظروف احتجازهم يزيد من القلق بشأن مصيرهم، خاصة في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بالأمن القومي.

ويرى مراقبون أن استمرار التصعيد قد يسهم في تعميق الفجوة بين الشارع والسلطات، ويجعل من الصعب احتواء الأزمة عبر حلول سياسية أو اقتصادية قصيرة المدى.

تأتي الاحتجاجات الأخيرة في إيران في سياق أزمة اقتصادية ممتدة، تفاقمت بفعل العقوبات الدولية وارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وعلى مدى السنوات الماضية، شهدت البلاد موجات احتجاج متكررة، غالباً ما تبدأ بمطالب معيشية قبل أن تتحول إلى انتقادات سياسية أوسع، وتعتمد السلطات الإيرانية في التعامل مع هذه التحركات على مزيج من الإجراءات الأمنية والخطاب السياسي الذي يحمّل أطرافاً خارجية مسؤولية الاضطرابات، وفي ظل استمرار الملاحقات القضائية وغياب حوار سياسي شامل، يبقى مستقبل هذه الاحتجاجات مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين الاحتواء المؤقت والتصعيد الأوسع، مع ما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية واجتماعية عميقة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية