الملاذ الأخير.. عائدون إلى غزة يرفضون الإغراءات ويتمسكون بأرضهم

الملاذ الأخير.. عائدون إلى غزة يرفضون الإغراءات ويتمسكون بأرضهم
آثار الدمار في غزة - أرشيف

في مشهدٍ تختلط فيه الدموع بالإصرار يعود الفلسطينيون إلى قطاع غزة وهم يحملون جراح الغياب والفقد، ويواجهون واقعاً إنسانياً بالغ القسوة صنعته الحرب والحصار والتهجير القسري. 

ليست العودة إلى قطاع غزة رحلة عادية، بل اختبار للكرامة والقدرة على الصمود، حيث تمر الأجساد عبر معابر مغلقة والقلوب عبر ذاكرة مثقلة بالخسارات، بحسب ما ذكرت وكالة "صفا"، اليوم الثلاثاء. 

وبين تفتيش مهين وتحقيقات قاسية وعروض تهجير مغلّفة بالإغراءات، يتمسك العائدون بحقهم في الأرض والحياة، مؤكدين أن غزة، رغم الدمار، تبقى الملاذ الأخير والهوية التي لا يمكن التنازل عنها.

تروي الفلسطينية لمياء ربيع لحظة عودتها إلى قطاع غزة بعد ما يقارب عامين من الغياب، بلهجة حاسمة تختصر قراراً وجودياً: «لن نخرج منها بعد اليوم». 

فقد عادت ربيع برفقة جثمان زوجها الذي توفي أثناء رحلة علاجه في الخارج، متجاوزةً، كما تقول، كل محاولات الإغراء والضغط التي مورست عليها قبيل دخولها القطاع عبر معبر رفح البري.

عبور وتحقيقات مطوّلة

تكشف ربيع أن ساعات العبور لم تكن مجرد إجراءات روتينية، بل تحقيقات مطوّلة ومحاولات صريحة لدفعها إلى عدم العودة. 

وتقول: «قالوا لي في التحقيق سنحضر باقي أولادك ونوصلكم للدولة التي تختارونها»، مضيفة أن جنود الجيش الإسرائيلي عرضوا عليها عدم دخول غزة مقابل تسهيل سفرها مع بناتها إلى أي مكان تريده، لكنها تؤكد أن احتضان ابنتيها، وبكاءهما فرحاً بالعودة وحزناً على فقدان والدهما، كانا أثمن من أي عرض.

وتعكس شهادة لمياء جزءاً من روايات متطابقة أدلى بها عائدون وعائدات، تحدثوا عن اقتياد نساء إلى غرف تفتيش مغلقة، وتعصيب أعين بعضهن، وإخضاعهن لتحقيقات بأسئلة لا صلة لهن بها، إضافة إلى تهديدات تمس أطفالهن ومحاولات ابتزاز لإجبارهن على التعاون.

قرار لا رجعة عنه

تؤكد هدى أبو عابد التي عادت إلى غزة فجر اليوم نفسه، أن مشاعر العودة طغت على كل ما سبقها من معاناة. وتقول: «الحمد لله أن عدت لها ولن أخرج منها»، مرددة عبارة تختصر المفارقة القاسية: «نار غزة ولا جنة غيرها». 

وتشير إلى أن التفتيش كان دقيقاً ومهيناً، حيث «فتشوا كل الأغراض ولم يتركوا سوى الملابس».

وتوضح هدى أن التحقيق شمل أسئلة عن تفاصيل الحياة داخل غزة خلال فترة غيابهم، رغم أنهم كانوا خارج القطاع ولا يملكون إجابات. وتشدد على أن تلك الإجراءات لم تنل من قناعتها بالعودة، بل عززت شعورها بالثبات.

وتشير روتانا الرقب بدورها إلى تباين واضح في المعاملة، موضحة أن الجانب المصري والطاقم الأوروبي التزما بسلوك مهني، في مقابل ما وصفته بـ«الإذلال المتعمد» من قبل الجنود الإسرائيليين الذين حاولوا ثني العائدين عن قرارهم واقترحوا عليهم التوجه إلى بلدان أخرى. 

وتقول: «هل العودة للأهل والأحباب ندم؟ لا وألف لا، حتى لو دمروا بيوتنا».

فتح محدود ومعانٍ واسعة

يأتي ذلك في وقت أعادت فيه سلطات الاحتلال فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح بعد نحو 18 شهراً من الإغلاق، لكن بإجراءات أمنية مشددة وقيود صارمة على أعداد العائدين والمغادرين. 

ووفق وزارة الداخلية في غزة، غادر القطاع في اليوم الثاني من الفتح ثمانية مواطنين فقط من المرضى ومرافقيهم، في حين عاد 12 مواطناً في ساعة متأخرة من الليل، بينهم تسع نساء وثلاثة أطفال.

ويعكس هذا المشهد، وفق مراقبين، سياسة تهدف إلى التحكم بحركة السكان واستخدام العبور أداة ضغط، في ظل مخاوف فلسطينية من محاولات دفع غير مباشرة نحو التهجير. 

وبين التحقيقات القاسية والقيود العددية، يصرّ العائدون على أن قرار العودة ليس مجرد عبور جغرافي، بل تمسّك بالهوية والحق في البقاء مهما كان الثمن.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية