بمليار دولار.. الصحة العالمية تطلق نداء عاجلاً لإنقاذ الأرواح من غزة إلى هايتي

بمليار دولار.. الصحة العالمية تطلق نداء عاجلاً لإنقاذ الأرواح من غزة إلى هايتي
منظمة الصحة العالمية

في وقت تتزايد فيه الأزمات الإنسانية وتتراجع فيه الموارد الدولية، أطلقت منظمة الصحة العالمية نداء عاجلا لجمع مليار دولار بهدف مواجهة طوارئ صحية حادة في 36 منطقة حول العالم، تمتد من غزة والسودان إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وهايتي، نداء يعكس حجم التحديات التي تواجه ملايين البشر المحاصرين بالنزاعات والفقر والأوبئة، في عالم تتقلص فيه شبكات الأمان الصحي بشكل مقلق.

ووفقا لما أعلنته المنظمة الأممية، فإن ما يقارب 239 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات صحية عاجلة خلال العام الجاري، في ظل أوضاع إنسانية توصف بالأكثر هشاشة منذ سنوات، وأوضحت المنظمة، بحسب تصريحات أدلى بها مسؤولوها في جنيف ونقلتها رويترز، أن هذا التمويل سيسهم بشكل مباشر في الحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية، ومنع انهيار الأنظمة الصحية في مناطق النزاع والكوارث.

أزمات متعددة واحتياجات متفاقمة

قال المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية في منظمة الصحة العالمية تشيكوي إيكويزو إن ما يقارب ربع مليار إنسان يعيشون اليوم في أزمات إنسانية تحرمهم من أبسط مقومات الحماية، وفي مقدمتها السلامة والمأوى والوصول إلى الرعاية الصحية، وأكد أن هذه البيئات الهشة تشهد تزايدا مستمرا في الاحتياجات الصحية، نتيجة الإصابات المباشرة للنزاعات، وانتشار الأوبئة، وتفاقم حالات سوء التغذية، إضافة إلى تفشي الأمراض المزمنة التي لا تجد طريقها إلى العلاج.

وأشار إيكويزو إلى أن المأساة لا تتوقف عند ارتفاع معدلات المرض، بل تتضاعف بسبب تقلص إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، سواء بسبب الدمار الذي طال المنشآت الطبية، أو نقص الكوادر والأدوية، أو انعدام الأمن الذي يمنع المرضى من الوصول إلى المستشفيات.

تمويل أقل في عالم أكثر احتياجا

اللافت أن المبلغ الذي تطلبه منظمة الصحة العالمية هذا العام يعد أقل بكثير من طلبات التمويل في السنوات السابقة، وهو ما يعكس واقعا ماليا ضاغطا تعيشه عمليات الإغاثة الدولية، ففي العام الماضي، كانت المنظمة قد طالبت بنحو 1.5 مليار دولار، لكنها لم تتمكن في نهاية المطاف من تأمين سوى 900 مليون دولار فقط.

وأوضح إيكويزو أن هذا التراجع في الطلب لا يعني تراجع حجم الاحتياجات، بل يعكس إدراكا مؤلما بأن الرغبة العالمية في حشد الموارد الإنسانية باتت أضعف بكثير مما كانت عليه في السابق، وأضاف أن المنظمة اضطرت إلى تعديل طلبها ليكون أقرب إلى ما هو متاح بشكل واقعي، في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية والقيود التي تواجهها العديد من الدول المانحة.

انسحاب أمريكي وتداعيات واسعة

ويأتي هذا النداء في سياق دولي معقد، حيث خفضت الولايات المتحدة، التي تعد تقليديا أكبر جهة مانحة لمنظمة الصحة العالمية، إنفاقها على المساعدات الخارجية، ففي يناير 2025، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب المنظمة في يومه الأول في السلطة بنية بلاده الانسحاب منها خلال عام، ما أثار مخاوف واسعة بشأن مستقبل تمويل البرامج الصحية العالمية.

ويرى مراقبون أن هذا التوجه الأمريكي أسهم بشكل مباشر في اتساع فجوة التمويل، وألقى بظلاله على قدرة المنظمات الدولية على الاستجابة للأزمات المتلاحقة، خصوصا في مناطق النزاع التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي لضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات الصحية.

الأولوية لإنقاذ الأرواح

وأكدت منظمة الصحة العالمية أنها، في ظل هذه الظروف الصعبة، ستمنح أولوية قصوى للخدمات الصحية الأكثر تأثيرا، مع تقليص الأنشطة الأقل إلحاحا، بهدف تعظيم عدد الأرواح التي يمكن إنقاذها، وذكرت المنظمة أن استراتيجيتها لعام 2026 تقوم على التركيز على التدخلات المنقذة للحياة، مثل خدمات الطوارئ، ورعاية الأمهات والأطفال، والتطعيمات، ومكافحة الأوبئة.

غير أن هذه المقاربة، رغم ضرورتها، لا تخفي حجم الخسائر التي قد تترتب على تقليص بعض البرامج الوقائية والتنموية، والتي تشكل خط الدفاع الأول ضد الأزمات الصحية طويلة الأمد.

منشآت مغلقة وملايين بلا رعاية

وأظهرت بيانات المنظمة أن خفض التمويل العالمي خلال العام الماضي أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات نحو 6700 منشأة صحية في 22 ساحة إنسانية حول العالم، ما حرم أكثر من 53 مليون شخص من الحصول على الرعاية الصحية. وهي أرقام تعكس حجم الكارثة الصامتة التي تتكشف بعيدا عن الأضواء.

وقال إيكويزو إن العائلات التي تعيش على هامش الحياة باتت تواجه خيارات قاسية ومستحيلة، مثل الاختيار بين شراء الطعام أو الدواء، مشددا على أن أي إنسان لا ينبغي أن يوضع في موقف يضطر فيه إلى اتخاذ قرارات تهدد حياته أو حياة أطفاله.

نداء إلى الضمير العالمي

وفي ختام حديثه، وجه المسؤول الأممي نداء مباشرا إلى الدول والشعوب، داعيا إلى الاستثمار في عالم أكثر صحة وأمانا، وأكد أن دعم الصحة ليس عملا خيريا فحسب، بل استثمار في الاستقرار العالمي، لأن الأوبئة والأزمات الصحية لا تعترف بالحدود، وأي تقصير في مواجهتها اليوم قد يتحول إلى تهديد عالمي في الغد.

تعمل منظمة الصحة العالمية، بصفتها وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، على تنسيق الجهود الدولية لمواجهة الأزمات الصحية، خاصة في مناطق النزاع والكوارث الطبيعية، وتشمل تدخلاتها توفير الرعاية الطبية الطارئة، ودعم الأنظمة الصحية المحلية، ومكافحة تفشي الأمراض، إضافة إلى حماية الفئات الأكثر ضعفا مثل الأطفال والنساء وكبار السن، ومع تصاعد النزاعات المسلحة وتغير المناخ وتراجع التمويل الدولي، تواجه المنظمة تحديات غير مسبوقة في تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يجعل نداءاتها المتكررة للتمويل مؤشرا خطيرا على حالة الصحة العالمية ومستقبل ملايين البشر.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية