إيران بلا إنترنت.. أسبوعان من العزلة الرقمية يهددان أرزاق الآلاف
إيران بلا إنترنت.. أسبوعان من العزلة الرقمية يهددان أرزاق الآلاف
منذ أسبوعين، يعيش ملايين الإيرانيين حالة عزلة رقمية غير مسبوقة، بعد أن فرضت السلطات حجبا شبه كامل للإنترنت عن العالم الخارجي، وهذا الانقطاع لم يقتصر أثره على السياسة أو الاحتجاجات، بل امتد عميقا إلى تفاصيل الحياة اليومية، مهددا مصادر رزق كاملة، ومعطلا قطاعات اقتصادية وخدمية، وطارحا أسئلة وجودية حول مستقبل العمل والحياة في بلد بات الاتصال بالعالم فيه امتيازا مؤجلا.
في شقته الصغيرة، يجلس أمير البالغ من العمر 32 عاما أمام شاشة حاسوبه، يتنقل بين عدد محدود من المواقع الإخبارية المحلية المتاحة عبر الشبكة الداخلية الإيرانية، ومنذ الثامن من يناير، تاريخ بدء الحجب الشامل للإنترنت، لم يتمكن هذا الشاب، وهو صانع محتوى رقمي، من نشر أي مراجعة لألعاب الفيديو أو الأفلام، وهو العمل الذي يعتمد عليه بالكامل في تأمين دخله، وبحسب وكالة فرانس برس، يعيش أمير اليوم حالة قلق دائم على مستقبله المهني، في ظل غياب أي مؤشرات رسمية على موعد عودة الاتصال.
حياة مهنية متوقفة
يقول أمير إن كل عمله مرتبط بالإنترنت بشكل كامل، مؤكدا أنه لا يتصور الحياة المهنية من دونه. يدير عدة حسابات نشطة على منصتي إنستاغرام ويوتيوب، ومع توقف الوصول إلى هذه المنصات، توقفت معه مصادر الدخل والإبداع والتواصل مع الجمهور، وهذا التوقف المفاجئ يعكس حال آلاف العاملين في الاقتصاد الرقمي داخل إيران، من صناع محتوى ومبرمجين ومسوّقين وموظفي شركات تعتمد على الاتصال الخارجي.
الاحتجاجات والسياق السياسي
جاء حجب الإنترنت في سياق أوسع من التوتر السياسي، فمنذ أواخر ديسمبر، اندلعت في إيران احتجاجات بدأت بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، قبل أن تتحول إلى حراك ذي شعارات سياسية مناهضة للنظام، ووصفت السلطات هذه التحركات بأنها أعمال شغب، واتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلفها.
وفي أول حصيلة رسمية، أعلنت السلطات مقتل 3117 شخصا خلال الاحتجاجات، وفي المقابل، وثّقت منظمات حقوقية مقتل أكثر من 5000 شخص، محذرة من أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير، مع صعوبة التحقق في ظل انقطاع الإنترنت وغياب التوثيق المستقل، فيما رفض المسؤولون الإيرانيون هذه الأرقام، مؤكدين أن الحكومة كانت في حالة حوار مع المحتجين.
تبرير رسمي واستمرار الحجب
وزير الخارجية عباس عراقجي قال الأسبوع الماضي إن الحكومة لم تلجأ إلى حجب الإنترنت إلا بعد مواجهة ما وصفه بعمليات إرهابية، مؤكدا أن التعليمات كانت تأتي من الخارج، ورغم تراجع زخم الاحتجاجات في الأيام الأخيرة، لا يزال الحجب قائما، ما يعمق شعور المواطنين بأن العقوبة الجماعية مستمرة حتى بعد انحسار الأسباب المعلنة لها.
ليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها إيران إلى تقييد الإنترنت، لكنها الأطول والأوسع نطاقا، وشهدت البلاد حجبا جزئيا في عام 2009 خلال الاحتجاجات على إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد، ثم في عام 2019 على خلفية رفع أسعار الوقود، وفي عام 2022 بعد وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق، كما فُرضت قيود خلال الحرب مع إسرائيل التي استمرت 12 يوما في يونيو 2025، إلا أن الحجب الحالي يتميز بشموليته وتأثيره العميق على مختلف مناحي الحياة.
الاعتماد على الشبكة الداخلية
في ظل الانقطاع، يعتمد ملايين الإيرانيين على الشبكة الداخلية المحلية، وهي بنية رقمية توفر بعض الخدمات الأساسية لكنها تعزل المستخدمين عن العالم الخارجي، من خلالها، يمكن استخدام تطبيقات النقل العام، وسيارات الأجرة، والخدمات المصرفية والدفع الإلكتروني، إضافة إلى تصفح مواقع إخبارية محلية ومحتوى مرئي يخضع للرقابة.
وسائل إعلام محلية أفادت بعودة عمل تطبيقات مراسلة محلية مثل باله وإيتا وروبيكا منذ الأسبوع الماضي، غير أن أمير يؤكد أنه لم يستخدم هذه التطبيقات من قبل، ولن يبدأ الآن، مشيرا إلى مخاوف تتعلق بالخصوصية وانعدام الثقة.
خسائر اقتصادية فادحة
تداعيات حجب الإنترنت في إيران لم تقتصر على الأفراد. وزير الاتصالات إحسان تشيتساز قدر الخسائر الاقتصادية اليومية بما يتراوح بين 4000 و6000 مليار ريال، أي ما بين 3 و4 ملايين دولار، لكن منظمة نتبلوكس المتخصصة في مراقبة الإنترنت قدمت تقديرات أعلى بكثير، مشيرة إلى أن الخسائر تتجاوز 36 مليون دولار يوميا.
هذه الأرقام تعكس شللا واسعا في قطاعات التجارة والخدمات والسياحة والنقل، حيث يعتمد جزء كبير من العمليات اليومية على الاتصال الرقمي.
تأثير مباشر على القطاعات الحيوية
إيرج، سائق شاحنة يبلغ 51 عاما في غرب إيران، يصف معاناته مع بطء الإجراءات الإدارية على الحدود، مؤكدا أن السائقين يُجبرون على الانتظار لساعات طويلة لتفريغ حمولاتهم بسبب تعطل الأنظمة الإلكترونية.
في قطاع الطيران، لا تبدو الصورة أفضل حالا، وطلبت موظفة في وكالة سفر، عدم ذكر اسمها لأسباب أمنية، تقول إن حجوزات الرحلات الدولية عبر الإنترنت غير مستقرة، ما أدى إلى تراجع الاتصالات مع الزبائن يوما بعد يوم، وتشير إلى أن الوضع أفضل نسبيا للرحلات الداخلية التي تعتمد على أنظمة محلية.
خلال الأيام الأخيرة، تمكن بعض المستخدمين بشكل متقطع من الوصول إلى بريدهم الإلكتروني أو إلى مواقع أجنبية مثل غوغل، لكن هذه الفتحات المؤقتة لم ترقَ إلى عودة فعلية للاتصال، وهذا التذبذب يزيد من حالة الترقب والضغط النفسي، ويجعل التخطيط لأي نشاط مهني أو شخصي أمرا شبه مستحيل.
الأمل الحذر
أمين، وهو صانع محتوى في مجال التكنولوجيا يبلغ 29 عاما ومتوقف حاليا عن العمل، يقول إن الشيء الوحيد الذي يبقيه متفائلا هو اعتقاده بأن السلطات لن تكون قادرة على إبقاء الإنترنت مقطوعا بالكامل لفترة طويلة، ويرى أن استمرار الحجب قد ينقلب في النهاية ضد صانعي القرار، مع تصاعد الغضب الشعبي والخسائر الاقتصادية.
يمثل الإنترنت في إيران شريان حياة لملايين المستخدمين، ليس فقط للتواصل، بل للعمل والتعليم والتجارة، وخلال العقد الأخير، توسع الاقتصاد الرقمي بشكل ملحوظ، مع اعتماد شريحة واسعة من الشباب على منصات عالمية لتحقيق الدخل، في المقابل، استثمرت الدولة في بناء شبكة داخلية محلية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج، لكنها لم تستطع حتى الآن تعويض الانقطاع الكامل عن الإنترنت العالمي.
الحجب الحالي يعيد إلى الواجهة جدلا قديما حول التوازن بين الأمن وحقوق المواطنين، وحول قدرة أي دولة على عزل مجتمعها رقميا دون أن تدفع ثمنا اقتصاديا واجتماعيا باهظا، وبينما ينتظر الإيرانيون عودة الاتصال، تبقى حياتهم معلقة على شبكة داخلية لا تكفي لربطهم بالعالم ولا لحماية مستقبلهم.










