ختان الإناث.. ممارسة قديمة بجذور ثقافية وآثار مدمّرة تهدد حياة الفتيات
ختان الإناث.. ممارسة قديمة بجذور ثقافية وآثار مدمّرة تهدد حياة الفتيات
يُعد ختان الإناث من أقدم التدخلات الجراحية التي عرفها الإنسان، إذ تشير قراءات تاريخية وأنثروبولوجية إلى أنه ارتبط في بداياته بأشكال بدائية من بتر الأعضاء خلال الحروب، قبل أن يتحول مع مرور الزمن إلى طقس اجتماعي وديني لدى الكهنة والنخب في مصر القديمة، ويرجّح بعض الباحثين أنه استُلهم من أسطورة أوزيريس.
ورغم التحولات الكبرى التي شهدها العالم، ما زالت هذه الممارسة قائمة في عدد من المجتمعات، تُنفَّذ بحق فتيات صغيرات رغماً عن إرادتهن، وسط ضغط اجتماعي وديني قاسٍ يفرض الصمت ويمنع المقاومة، بحسب ما ذكرت وكالة "أنباء المرأة"، اليوم الخميس.
وفي كثير من البيئات، تُقدَّم هذه الممارسة باعتبارها شرطاً للزواج، أو طقس عبور إلى مرحلة البلوغ، أو وسيلة مزعومة لحماية الفتاة وصون “شرفها”.
غير أن هذه التبريرات تخفي واقعاً أشد قسوة، يتمثل في كون ختان الإناث انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفل وشكلاً من أشكال العنف ضد النساء، لما يخلّفه من أضرار جسدية ونفسية عميقة تمتد آثارها لسنوات طويلة.
أضرار صحية ونفسية
تؤكد الأبحاث الطبية الحديثة أن ختان الإناث لا يحمل أي منفعة صحية، بل يترتب عليه طيف واسع من المضاعفات، منها النزيف الحاد، العدوى، الألم المزمن، صعوبات التبول والإنجاب، إضافة إلى مخاطر أثناء الحمل والولادة.
وعلى الصعيد النفسي، يعاني كثير من النساء من الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة وفقدان الثقة بالنفس، وهي آثار غالباً ما تُهمَل بسبب الخوف والوصمة الاجتماعية.
وبحسب تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية واليونيسف والبنك الدولي وقسم السكان في الأمم المتحدة، فإن الدول التي ترتفع فيها معدلات ختان الإناث تسجل في الغالب نسباً مرتفعة من وفيات الأمهات.
وتشير البيانات إلى أن من بين أربع دول تُعد العليا عالمياً في وفيات الأمهات توجد دولتان ترتفع فيهما هذه الممارسة بشكل كبير، كما أن خمسة بلدان ينتشر فيها الختان على نطاق واسع تسجل معدلات وفيات للأمهات تصل إلى 550 حالة أو أكثر لكل 100 ألف مولود حي.
جهود للحد من الظاهرة
في هذا السياق، أوضحت شوخ محمد، منسقة مشاريع منظمة الوادي الألماني في مدينة السليمانية العراقية، أن المنظمة تعمل منذ سنوات على تقييم هذه الظاهرة وتنفيذ برامج تستهدف الحد منها، مؤكدة أن تكاتف الجهود المجتمعية والمؤسسية يشكل حجر الأساس في المواجهة.
وأشارت إلى اقتراب اليوم الدولي لمناهضة ختان الإناث في السادس من شباط/فبراير، مؤكدة أن القضية عالمية وما زالت قائمة، حتى في إقليم كردستان، حيث تعمل المنظمة على هذا الملف منذ عام 2004 دون انقطاع.
وبيّنت أن البيانات السنوية تظهر تراجعاً ملحوظاً في بعض المناطق، مثل كرميان وحلبجة، حيث وصلت معدلات الختان إلى الصفر منذ عدة سنوات، في مقابل استمرار تسجيل حالات في مناطق أخرى مثل أربيل ورانية، نتيجة قناعات اجتماعية راسخة تدفع بعض الأهالي إلى اللجوء لقابلات أو نساء لتنفيذ العملية سراً، رغم وجود قوانين تجرّمها ضمن تشريعات مناهضة العنف الأسري.
دور النساء والأمهات
أكدت شوخ محمد أن وعي المجتمع، ولا سيما وعي النساء الأكبر سناً، عامل حاسم في إحداث التغيير، موضحة أن العمل في هذا المجال يكون شاقاً في مراحله الأولى بسبب المقاومة المجتمعية، لكنه يثمر نتائج ملموسة مع مرور الوقت.
وأشارت إلى تجارب ناجحة مع نساء في الخمسينيات والستينيات من أعمارهن، اقتنعن بعد سنوات من التوعية بضرورة التوقف عن هذه الممارسة، بل أصبحن يدافعن عن إنهائها.
وأضافت أن كثيراً من الفتيات والنساء اللواتي خضعن للختان يعانين لاحقاً من مشكلات حادة في حياتهن الزوجية، ما يخلق أزمات نفسية واجتماعية معقدة.
وشددت على أن هذه القضية لم تُحسم بعد، وأنها تتطلب مقاربات جديدة تشمل الدعم الصحي والنفسي، إلى جانب استمرار حملات التوعية.
التعليم والضغط الاجتماعي
لفتت شوخ محمد إلى أن تناول موضوع ختان الإناث داخل المدارس ما زال محدوداً، إذ يقتصر غالباً على إشارات عابرة ضمن دروس الأحياء، دون نقاش معمّق للعلاقة بين الجسد والصحة والحقوق.
واعتبرت أن غياب هذا النقاش يمثل مشكلة بحد ذاته، داعية إلى دور أكبر لوزارة التربية والحكومات المحلية في إدماج هذه القضايا ضمن المناهج والبرامج التربوية.
كما وجّهت رسالة مباشرة إلى الأمهات اللواتي يتعرضن لضغوط قاسية، قد تصل إلى الحرمان من الطعام أو الماء لإجبارهن على تنفيذ الختان، مؤكدة أن العالم تغيّر وأن الوصول إلى المعلومات الموثوقة أصبح متاحاً، وأن هذه الممارسة لا تمتّ للدين بصلة، بل هي تقليد ثقافي خاطئ تترتب عليه أضرار جسيمة.
وفي ختام حديثها شددت شوخ محمد على أن ختان الإناث ممارسة مدمّرة، لكنها أكدت في الوقت ذاته أن الحلول موجودة، وأن القضاء النهائي على هذه الظاهرة ممكن عبر الوعي، والقانون، ودعم النساء والفتيات، وإعلاء كرامة الإنسان فوق أي عرف أو تقليد.











